إذا كان بقيادة محمد بن ملكشاه عشرون ألف مقاتل، فلا شك أن بقيادة أخيه بركيارق ما لا يقل عن هذا العدد إن لم يزد عليه، فهذه أربعون ألف مقاتل كان على السلاجقة أن يسيروا بها لقتال الصليبيين، وصدهم عن التمدد في البلاد الإسلامية، وكانوا مستطيعين أن يضيفوا إليها أمثالها، لو استجاشوا الناس واستنفروا الرجال من أقصى خراسان إلى أقصى الشام، لقتال الصليبيين. ولكن قتال الصليبيين لم يكن يعنيهم، وإنما كان الذي يعنيهم هو الاقتتال فيما بينهم، وسفك دماء المسلمين في سبيل مطامعهم الشخصية.
على أن بركيارق لم ييأس فاتجه إلى (الري) ثم إلى نيسابور، ووجد من يحالفه على قتال أخيه الآخر (سنجر) في معركة طاحنة انهزم فيها بركيارق.
وعاد فاستطاع جمع جيش مكون من خمسين ألف مقاتل، تقابل به مع جيش أخيه السلطان محمد المكون من خمسة عشر ألفا، فانتصر هذه المرة بركيارق بجيشه الأكثر عددا على جيش أخيه الأقل عددا.
ولا بد من أن نشير هنا إلى أن عبيد الله مؤيد الملك بن نظام الملك كان في صف السلطان محمد، فأسر في هذه المعركة، فقتله بركيارق بيده بعد أن سبّه وأهانه، وبقي ملقى على الأرض عدة أيام إلى أن أذن بر كيارق بدفنه، فحمل إلى تربة أبيه بأصبهان فدفن فيها.
هكذا كان يموت هؤلاء الناس هذه الميتات الذليلة، بدل أن يموتوا في ساحات الشرف أعزاء في قتال أعداء البلاد.
وهكذا يتبين أن بركيارق الذي استطاع بعد هزائمه المتتابعة أن يجمع جيشا مؤلفا من خمسين ألف مقاتل، فيقاتل به أخاه في سبيل الملك، كان يستطيع جمع أضعاف هذا الجيش ليقاتل به الصليبيين. ومضى بركيارق بعد هذا النصر إلى (الري)
فوافاه إليها فيمن وافاه (كربوقا) صاحب الموصل.