أما بركيارق هذا، الذي اكتفى عند الاستنجاد به لإنقاذ مسلمي بلاد الشام من مذابح الصليبيين، وتخليص القدس من براثنهم، اكتفى بانتداب من خانوا الأمانة وعلى رأسهم كربوقا، ولم تحفزه النخوة على أن يسير على رأس جموعه الغفيرة لجهاد الصليبيين.
أما بركيارق هذا فهو يدخل بغداد اليوم ظافرا، مزهوا بترديد اسمه في الخطب على منابرها، غير متذكر أن الصليبيين دخلوا القدس ظافرين، مزهوين بترديد شعاراتهم على منبر المسجد الأقصى ومحاريب بيت المقدس..
وعوضا عن أن يتوجه بجموعه إليهم، قاد تلك الجموع لقتال أخيه محمد، وكان أخوه مستعدا هو الآخر للقتال، وبدلا من أن يمحوا كل من الأخوين ما في قلبه من ضغائن على الآخر، ويملئا قلبيهما بالضغائن على الصليبيين الذين أجروا سيول الدماء في رحاب أولى القبلتين عوضا عن ذلك صمما أن يتقاتلا ويتركا الصليبيين في القدس آمنين مطمئنين، متحفزين للانطلاق إلى كل مكان إسلامي.
ويصف ابن الأثير القتال بين الأخوين بهذا الوصف:(كان مع محمد نحو عشرين ألف مقاتل، وكان محمد في القلب ومعه الأمير سرمز، وعلى ميمنته أمير آخر، وابنه آياز، وعلى ميسرته مؤيد الملك والنظامية.
وكان السلطان بركيارق في القلب، ووزيره الأعز أبو المحاسن، وعلى ميمنته كوهرائين، وعز الدولة بن صدقة بن مزيد، وسرخاب بن بدر، وعلى ميسرته كربوقا وغيره. فحمل كوهرائين من ميمنة بركيارق على ميسرة محمد، وبها مؤيد الملك والنظامية، فانهزموا ودخل عسكر بركيارق، في خيامهم فنهبوهم. وحملت ميمنة محمد على ميسرة بركيارق فانهزمت الميسرة، وانضافت ميمنة محمد إليه في القلب على بركيارق ومن معه، فانهزم بركيارق، ووقف محمد مكانه، وعاد كوهرائين من طلب المنهزمين الذين انهزموا بين يديه، وكبا به فرسه فأتاه خراساني فقتله، وأخذ رأسه، وتفرقت عساكر بركيارق، وبقي في خمسين فارسا).