فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 388

وهنا ضعفت عزائم الحلفاء الذين كانوا أجمعوا على تعضيد مزاحمة السلطان محمد، فأما جكرمش فاستأذن كوهرائين في العود إلى بلده بدعوى أن الأحوال قد اختلت، فأذن له!..

واتفق الآخرون على أن يصدروا عن رأي واحد لا يختلفون...

ولما كانت الدنيا قد أخذت تقبل على السلطان بركيارق، فقد كان رأيهم الواحد الذي لم يختلفوا فيه: أن كتبوا إلى بركيارق يقولون له: أخرج إلينا، فما فينا من يقاتلك!.

فسار بركيارق إليهم، فترجلوا وقبلوا الأرض وعادوا معه إلى بغداد!.

هذا السلطان وهؤلاء الأمراء، لم يذكر منهم ذاكر القدس وأفاعيل الصليبيين فيها، ولم يكن في خواطرهم التفكير في إنقاذها!.

لقد اجتمعوا من كل مكان، وما من مكان جاءوا منه إلا وفيه المقاتلة الأشداء، لقد استغلوا هؤلاء المقاتلة لتوطيد سلطانهم وإحكام أمرهم، وجردوا السيوف بعضهم على بعض، لا على أعداء الإسلام: فاتحي القدس، وذابحي المسلمين فيه.

وبغداد هذه التي عادوا إليها مجتمعين، ليوطدوا فيها سلطان بركيارق بعد أن كانوا قد وطدوا فيها من قبل سلطان عدوه محمد بن ملكشاه.. بغداد التي لم تثرهم فيها استغاثة المستغيثين بهم لإنقاذ القدس، بغداد التي شهدت القادمين من الشام يبكون العيون ويوجعون القلوب بذكر ما دهم المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال، وسبي الحريم والأولاد، ونهب الأموال.

بغداد التي شهدت كل ذلك، وشهدتهم معرضين عن الإغاثة، متجافين عن المعونة فلم تبك عيونهم، ولم تتوجع قلوبهم، ولم تتحرك سيوفهم، بل أعرضوا عن الصوت المستغيث!..

بغداد تشهدهم اليوم متجمهرين فيها حول سلطانهم القديم الجديد بسيوف مشهورة، وألوية منشورة، ونفوس مسرورة!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت