وانتهى أمر مفاوضات الصلح إلى أن يتقاسم الأخوان البلاد، ويتقاسما اللقب، فيكون لقب بركيارق: (السلطان) ولقب محمد: (الملك) ، على أن يكون له جنزة وأعمالها، وأذربيجان، وديار بكر، والجزيرة، والموصل ومضى كل منهما إلى مقره.
ثم عاد محمد فاقتنع أنه مغبون في هذه المصالحة، وأن الأمراء خامروا عليه فعاد الأمر إلى ما كان عليه من التنازع في تفاصيل مهلكة دامية نتجاوز ذكرها.
في الوقت الذي كان فيه هؤلاء السلاجقة يتناحرون في المشرق الإسلامي وينحرون الشعب معهم ويبهضونه بما لا يطيق حمله، في الوقت الذي كان فيه بركيارق مثلا يحاصر أخاه محمدا في أصفهان ويضيق عليها، فتعدم فيها الأقوات، ويرغم محمد أعيان البلد على أن يقرضوه، فيأخذ منهم مالا عظيما، ثم يعود فيقسط على البلد شيئا آخر فيأخذه بالشدة والعنف، ثم يضطر للفرار من البلد، فيصبح أمر أصفهان كما وصفه ابن الأثير: (فلما فارق محمد أصفهان اجتمع من المفسدين والسوادية ومن يريد النهب ما يزيد على مئة ألف نفس وزحفوا إلى البلد بالسلالم والدبابات وطموا الخندق بالتبن والتصقوا بالسور، وصعد الناس في السلالم فقاتلهم أهل البلد قتال من يريد أن يحمي حريمه وماله فعادوا خائبين) .
وفي الوقت الذي كان الوالي السلجوقي إسماعيل بن سلانجق يقتل من أهل مدينة (الري) مقتلة عظيمة، ويرسل من شعورهم إلى سلطانه بركيارق ما عمل منه مقاود وشكلات للدواب. في هذا الوقت بالذات وفي السنة نفسها كان صنجيل الصليبيي يحاصر طرابلس ويرغم أهلها على أن يدفعوا إليه مالا وخيلا ويتقدم منها إلى مدينة (أنطرسوس) فيحصرها ويفتحها ويقتل من بها من المسلمين، ثم يسير إلى حمص فينازلها ويحصر أهلها ويملك أعمالها. وكان القمص ينازل عكا ويضيق عليها، وكان الصليبيي صاحب الرها يسير إلى بيروت ويحصرها ويضايقها.
ومن بين هذه الظلمات تتوقد شعلة في القاهرة فتخرج عساكرها إلى عسقلان ليمنعوا الإفرنج عما بقي في أيديهم من البلاد الشامية على حد تعبير ابن الأثير،