والوه فربما غلب محمد على الأمر فانتقم منهم، وإذا قاوموه، فهو مقيم فيهم يستطيع أذيتهم، لذلك ارتأوا حلا وسطا، لا هو موالاة، ولا هو معاداة. بل هو موقف سلبي إذا كان أقرب إلى عدم الموالاة فهو ليس صريح المعاداة.
أما العسكر فقد أخذوا نساءهم وأولادهم وأموالهم وانحدروا إلى الزبيدية وأقاموا هناك.
وأما الأهلون فقد لزموا أول الأمر بيوتهم، فلم يكن يرى في الطرق والأسواق أحد منهم، ولكنهم لم يسلموا، فإن عسكر بركيارق نهب البلد.
وهكذا نرى أن لا صلة تربط بين هؤلاء الحكام وبين الشعب، وأن لا ولاء لهم في قلوب أبنائه، ولا محبة تربطهم به، فإذا قوي أمر أحدهم انصاع الناس له ماداحين، وإذا ضعف انقلبوا عليه ناكثين.
وهكذا فبعد أن شفي بركيارق من مرضه وبدأ أنه قد استقر في واسط، بعث إليه العسكر من الزبيدية يطلبون الأمان ليحضروا إليه، فأمنهم وجاءوا فاستقوى بهم، ثم عضدوه في السير معه إلى بني برسق الذين لم يلبثوا أن قدموا إليه، وهكذا أخذ يتقوى شيئا فشيئا حتى صارت له قوة عسكرية مرموقة، فرأى عند ذلك أن يهب لمطاردة أخيه محمد، فالتقيا ومحمد في طريقه إلى نهاوند، وكانا في قوتين متساويتين، هي أربعة آلاف فارس لدى كل واحد منهما.
ولما كادت القوتان تتصادمان، التقى بعض مقدمي القوتين وتذاكروا في أمر الصلح بين الأخوين بعد أن رأوا ما آل إليه أمر الناس من البلاء للنزاع بينهما.
ولم يكن أبلغ في التعبير عن نفور الشعب مما يجري، واعتقاد الناس أنهم أخوان يحملهم حكامهم على التذابح، من أنه حين التصاف بين الفريقين وخروج مبارز من أحد الصفين، وخروج مبارز له من الصف الآخر، كانا بمجرد أن تقع عين أحدهما على الآخر يعتنق كل واحد منهما مبارزه ويسلم عليه، ثم يعود عنه.