فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 388

سجنهم، شربوا كأس اليأس، وأبدلوا إيناس الناس بإيحاش الحاشية. ومشى شحنة طوس لاستياق ما لهم من الماشية، واستلان خشونتهم، واستسهل صعوبتهم، ولما ظن أنه آب بالغنم والغنيمة، وباء بعز العزيمة، ركبوا إليه صهوات الحنق، وصرفوا نحوه أعنة الخبب والعنق. حتى لقوه فتركوه لقى، وتبعوا المنهزمين ودخلوا إلى طوس فملكوها، وجاسوا خلال ديارها وسلكوها، وتشاوروا فيما بينهم وقالوا: هذا بحر خضناه، وفتح ابتكرناه، وطوس مدينتنا التي تؤوينا، وحصننا الذي يحمينا، فلا نفرج عنها، ولا نخرج منها.

وشرع أبو سهل الحمدوني في استدراك ما فرط، واستمساك ما اختبط. وكادوا يجيبونه بالجمل ويحملون في الجواب، ويميلون بممالأته إلى صوب الصواب. فتسرع شحنة نيسابور وتعسّر، وجنّد وعسكر. وشن على سرحهم غارة على غرة، ونهض لمنفعة نهضت بمضرة. فركبت السلجقية إليه وإلى جماعته أرسالا، ونشبوا معهم وشبوا قتالا، وهزموهم وكسروهم وقتلوهم وأسروهم. وامتدوا إلى نيسابور فدخلوها، ووجدوا في خلوها فرصة فاهتبلوها. وذلك في شهر رمضان سنة 429 هـ. وعزموا على مد اليد، ونهب البلد. فمنعهم طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجق وهو أميرهم وكبيرهم، وقال لهم نحن في شهر حرام نهتك حرمته، ولا نهتك عصمته، ولا يحصل من النهب أرب، وإنما تسوء به السمعة ويشيع الشنعة. فنفرت جماعته من مقاله وسخّفوا رأيه في تبين حرام الفعل وحلاله. فما زال بهم طغرلبك يقول لهم: أمهلوا بقية هذا الشهر، واعملوا ما شئتم بعد الفطر. وفي أثناء ذلك وصل إليهم كتاب القائم بأمر الله أمير المؤمنين، يخوفهم ويذكرهم بالله، ويحملهم على رعاية عباده وعمارة بلاده، فخلعوا على الرسول المعروف بأبي بكر الطوسي ثلاث عشرة خلعة. وتباهوا برسالة الخليفة وازدادوا بها قوة ورفعة.

ولما كان يوم العيد اجتمعوا من القريب والبعيد وهمّوا بالنهب، فركب طغرلبك لمنعهم، وجد في ردعهم. وقال: الآن وقد جاء كتاب الخليفة المفترض الطاعة على الخليفة. وقد خصنا من توليته إيانا بالحق والحقيقة. فلحّ عليه أخوه جغري بك داود وأخرج سكينه وقال: إن تركتني وإلا قتلت نفسي بيدي. فرق له وسكنه، وأراه أنه مكنه، وأرضاه بمبلغ أربعين ألف دينار قسطه، ووزن أهل البلد معظمه، وأدى هو من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت