وأرمني. ورأى السلطان أنه إن تمهل لحشد الجموع ذهب الوقت وعظم بلاء البلاد، وثقلت أعباء العباد. فركب في نخبته وتوجه في عصبته وقال: «أنا أحتسب عن الله نفسي، وإن سعدت بالشهادة ففي حواصل الطيور الخضر من حواصل النسور الغبر رمسي، وإن نصرت فما أسعدني وأنا أمسي، ويومي خير من أمسي» .
ثم توكل على الله وسار بهذه العزيمة الماضية القوية، والصريمة الصارمة الرؤية.
وكان متملك الروم قد قدم رؤساء مقدمين من الروس في عشرين ألف فرس، ومعهم عظيمهم الأصلب، وصليبهم الأعظم، وخالطوا بلاد خلاط بالبلاء والسلب والسباء.
فخرج إليهم عسكر خلاط ومقدمهم صنداق التركي فصب صبح البيض على ليل النقع المظلم، وخاض إلى العز مشمرا نار الحريق المتضرم، وقتل منهم خلقا كثيرا، وقاد قائدهم في القيد أسيفا أسيرا. فأمر السلطان بجدع أنفه، وإرجاء حتفه، وذلك يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة 463 هـ. وعجل الصليب السليب إلى نظام الملك ليجعل إنقاذه إلى دار السلام، مبشرا بسلامة الإسلام. وتلاحق عسكر الروم ونزل على خلاط محاصرا، وأهلها واثقون بالله الذي لم يزل لدينه ناصرا. ونزل متملك الروم على منازكرد في أنصار نصرانيته، وعمداء معموديته. فانزعج سكانها وتزعزعت أركانها، وعلموا أنه ليست لهم بما نزل بهم طاقة، وأن دماءهم لا شك بسيوف الكفر مهراقة، فخرجوا بأمان، وسلموا البلد، فبيتهم تلك الليلة عند بلاطه تحت احتياطه.
فلما بكر يوم الأربعاء، سيرهم بأسرهم في أسر، وأردفهم بعسكر مجر، وخرج ليشيعهم بنفسه، وهو في جماعة حماته وحمسه. ووافق ذلك وصول أوائل العسكر السلطاني ووقعت العين في العين، واجتمعت على المجالدة أجادل الجمعين. وجرى الخيل، وجرف السيل، وانجر من الأرض على السماء الذيل. وصحت على الروم كسرة أردتهم، وصدفتهم عن مقصدهم وصدتهم. فانعكسوا إلى مجثمهم في مخيمهم، وانكشفوا بما تم من عرس الإسلام بمأتمهم. وشرعت المنازكردية يتسللون، فقتل الروم منهم من أدركه أجله ونجا الباقون، وعرف الروم أنهم للموت ملاقون، وعاد متملكهم إلى مضاربه وبات تلك الليلة والكوسان تصرخ، والبوقات تنفخ.
ولما أصبحوا بكرة يوم الخميس وصل السلطان ألب أرسلان ونزل على النهر،