وراح وله من الروح الأمين مجير أمين.
ولما علم أن الكمين مكين، وأن الضمير شاهد بما يشهده من النصر ضمين، تلقى بوجه الحرّ حرّ الحرب، واستحلى طعم الطعن وضرب الضرب. وحمل متملك الروم بجمعه، وأخذ ببصر الدهر وسمعه، وأقبل كالسيل يطلب القرار، والليل يسلب النهار. وثبت لهم خيل الإسلام ثم وثبت، وجالت وما وجلت، واستجرت الروم إلى أن صار الكمين من ورائها، ووقفت المنون بإزائها. ثم خرج من خلفها وذوو الأقدام من قدامها، ووقعت نار البيض في حلفاء هامها، فآذنت بانهزامها وانكسرت كسرة لا تقبل جبرا، فطائفة لم تثبت للقتال ولم تصبر، وطائفة ثبتت فقتلت صبرا، فما نجت من أولئك الألوف آحاد، وما سلمت من أعداء الإسلام أعداد. وملك الملك وقيد وقيد وقيذا1، وأسر ولم يجد له معينا ولا معيدا. وركب المسلمون أكتافهم، وقتل الآحاد آلافهم وطهرت الأرض من خبثهم، وفرشت بجثثهم. وصارت الوهاد بأشلاء القتلى أكماء والمروت 2من قصد القنا أجما.
قال: وكانت مع الروم ثلاثة آلاف عجل تنقل الأحمال، وتحمل الأثقال، ومن المنجنيقات التي تحملها منجنيق هو أعظمها وأثقلها، له ثمانية أسهم، ويمد فيها ألف ومائتا رجل، ويحمله مائة عجل. يرمي حجرا وزنه بالرطل الكبير الخلاطي قنطار، وكأنه حبل له في الجو مطار.
قال: وشملهم بأسرهم القتل والأسر. وبقيت أموالهم منبوذة بالعراء لا ترام، ومعروضة لا تسام. وسقطت قيم الدواب والكراع، والسلاح والمتاع. حتى بيعت بسدس دينار اثنتا عشرة خوذة، وبدينار ثلاث دراع 3.
ومن عجيب ما حكي في أسر الملك، أنه كان لسعد الدولة كوهرائين، مملوك أهداه لنظام الملك فرده عليه، ولم ينظر إليه، فرغبه فيه كثيرا. فقال نظام الملك: وما يراد منه، عسى أن تأتينا بملك الروم أسيرا! وذكر ذلك استهزاء به واستصغارا لقدره
الوقيذ: المشرف على الموت.
المروت: المفازة بلا نبات.
جمع درع.