له في العيون هيبة وفي الصدور رهبة. فبقى الأمير العميد لا يعتمد في أموره إلا عليه ولا يسكن إلا إليه. فلما اتفق مسير الأمير العميد إلى بغداد في تولي العمارة، لم يكن له بد من إقامة نائب في وزارة كهر خاتون يلازم الدركاه، ويقيم له بخدمته عنه الاسم والجاه. فرأى أن الكمال أوفق وأوثق، وأشفى لصدره في التصدر وأشفق. فاستنابه على أنه لا يستعين فيما ينوبه إلا بالعزيز، وكان العزيز أبو نصر أحمد بن حامد-رحمه الله-عمي أول ما شب ومضى في البلاغة شباه. وعقد بحب العلي حباه. وصرف اليراعة بنانه وعرف البراعة بيانه. وهو في الديوان الخاتوني نائب على الأصل يحكم، وشاب عند مشايخ صدور يجهلون ما يعلم. فلما تولى الكمال نيابة وزارة كهر خاتون، انضم إليه العزيز فضم نشره، وحسن أثره، وأرشده ودبره.
وكان الديوان الخاتوني في الوزارة العميدية خاملا خامدا، ما له غير رواتب موظفة، ووظائف مرتبة، ومعايش مرسومة، وعوائد معلومة. ليس لنوابه في غيرها أمر ولا نهي، ولا لوراده من سواها شرب ولا ري. وخاتون راضية بالهدو، متغاضية عن النمو. فعرفها الكمال ما في الخمول من ذهاب رونق السلطنة، وعزل ولاية القدرة المتمكنة. وكانت هي ابنة الملك إسماعيل البغاني من أذربيجان، وكان كبير الشان.
فقال لها:"قولي للسلطان إن أجناد أذربيجان من صنائع والدي وأشياعه، وهم صاروا متبوعين وقد كانوا أمس من أتباعه. وأريد أن تكتب منشورا بأنهم في اهتمامي، وأن أمر معايشهم يبرم بإبرامي". فأجاب السلطان سؤالها، وكتب لها مثالها. فسيرت الكتب السلطانية، وأمر بخدمتها الأمراء الأذربيجانية، فتبادرا إلى بابها بتقبيل العتبة وتأميل المرتبة. ووصلوا بالهدايا والتحف والألطاف والطرف. وازدحمت على بابها وفود الملوك، واتسق إلى قصدها سلك الفج المسلوك. فرأت من الدولة شيئا ما رأت، ورعت من الدولة روضا ما رعت. فتبركت بموضع كمال الملك. وسمع الأمير العميد بأن نائبه قد جاءه الجاه، وقبلت يديه الشفاه. فقام وقعد، وأبرق وأرعد. وكتب بصرفه، والغض من طرفه، ومطالبته بفرعه، وعمل الحساب ورفعه. فلم تلتفت الخاتون إلى قوله في كتابه، ولم تكترث بخطابه. وكتبت:"إن هذا النائب عندي مرضي وحقه مرعي. فما لك أن تصرفه؛ بل عليك أن تعرفه. وتعرف له حقه وتنصفه. وهو أن حاققته فليس"