فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 388

قال: ولما عاد من حجه، استعفى السلطان من شغله، فما أجابه إلى مراده، ولا مكنه من انفراده، وأعاده إلى منصبه على العادة، وأشرق به مطلع السعادة. وأصبح الوزير يجول في مكر مكره، ويسر له ما يرجع بشغل سره. وعادت تلك الصداقة عداوة، والمعرفة نكرة وغباوة. وعبرت على ذلك مدة فثبت العزيز على الاستعفاء، وترك منصب الاستيفاء. فقال السلطان"إذا كنت مستعفيا، ولا تؤثر أن تكون مستوفيا، فما لي أعز من الولد والمال وقد سلمت إليك خزائني وأولادي وبهذا يحصل مرادك ومرادي". فلما خلا منصبه منه، ورغب العزيز عنه تولى الصفي أبو القاسم الجنزي ديوانه، وجلس مكانه.

فتوازر هو والوزير والجماعة على قصد العزيز فلم يقدروا على مضّرة، ولم يعثروا له على عثرة. ومضت على وزارته ثلاث سنين وشمل العدل بغير التئام، وسلك الملك بلا نظام. والمعاقد غير مبرمة، والقواعد غير محكمة. وتفرغ العزيز لإعلام السلطان بالتشويش والتشويه، وحصول كل أمر كريم به في الأمر الكريه. فأمر السلطان بقبض الوزير واعتقاله، وسلمه إلى العزيز ليريح الناس من شره واغتياله. فرأى أن إهلاكه على يده شنيع، وأن ذكره بالفتك وهو ليس من أهله فظيع. ودبر في تولية وزير يسلمه إليه، وهو لأجل الخوف على منصبه منه يقضي عليه. فسعى في استدعاء شرف الدين أنوشروان بن خالد بن محمد من بغداد. فلما حضر واستوزر، حمل الدركزيني إلى داره على حاله، وصيّره في اعتقاله.

وكانت في أنوشروان ركاكة ظاهرة، ووضاعة لخلق الرفعة قاهرة. فلما تسلم الدركزيني ضرب له في داره الخركاه وأذن لكل صاحب له أن يدخل إليه ويلقاه.

وكان في كل يوم يدخل إليه ويجلس بين يديه ويخاطبه بيا مولانا، وأنت أولى منا بالمنصب الذي خصنا به السلطان وأولانا. فسقطت حرمته، وذهبت هيبته، واتضعت وزارته، وعرفت حقارته. وخيف عود الدركزيني بعد استقرار سلامته إلى منصب كرامته. فشرعوا في إعادته، وجروا على إرادته. وهو جالس في دار أنوشروان والناس متناوبون إليه لتقرير وزارة السلطان. فما شعر أنوشروان حتى أخرج من داره، وردّ

إلى مقره على قراره. وأذن لأنوشروان في العود إلى موضعه، والغيض في منبعه. فرأى الغنيمة في الإياب، واغتنم السلامة التي تكن له في الحساب. قال: وكانت وزارته سنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت