فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 388

539 هـ. وتشوش البلد وخاف أهله العاقبة، وحذروا من زنكي سطواته المعاقبة.

فخرج القاضي تاج الدين يحيى بن عبد الله الشهرزوري، وجاء إلى الملك وهناه، وسهل له الصعب مما جناه، وقال له:"نحن قدامك، وقد صرنا مماليكك وخدامك، فسر في المدينة واسلكها، وادخل القلعة واملكها". فركن إلى قوله، وسكن بحوله. وأحدق به الجند كأنهم في خدمته، وصوبوا له سداد عزمته. حتى صعد إلى القلعة فأجلسوه في المركز، وأحاطوا به إحاطة الدائرة بالمركز، والتقطوا مماليكه من حواليه وأفردوه واحتاطوا عليه، ولم ير له بعد ذلك أثر، ولم يسمع له خبر. ولا شك أنه بعد ما احتيل عليه اغتيل، وبعد ما استنزل أزيل.

وولي زنكي الموصل بعد جغر زين الدين علي بن بكتكين، المعروف بعلي كوجك، فنظم السلك ونهج المسلك، وتلافى واستدرك. ووصل زنكي بعد ذلك إلى الموصل فاستصفى أموال جغر واستخرج ذخائره، واستنظف أوله وآخره، وصادر أهله وأقاربه، وأحل بنوابه نوائبه وسلبهم القوة والقوت، ونوع عليهم جوره الممقوت. ثم عطف زنكي على الملك الآخر ألب أرسلان فاستخرجه من معقله، وعني بتفاصيل أمره وجمله، وضرب له نوبتيه ونويا، ورتب له في حالتي جلوسه وركوبه رتبا، وأغرى بتولي إكرامه وتوخيه، وغرضه خفاء ما جرى من هلاك أخيه. وقصد حصار قلعة جعبر، وصاحبها عز الدين علي بن مالك بن سالم بن مالك ونازلها، وقابلها وقاتلها، وأحاط بسورها المعصوم إحاطة السوار بالمعصم، وربض على ربضها في مجثم المخيم.

ولج في الحصار وهو مستظهر بالأنصار، مستنصر بالاستظهار، ومتكثر بالاستعداد معتد بالاستكثار، مغرور بالدهر، مسرور بالقهر، يظن أن الفضاء بحكمه، وأن القدر خصم خصمه. وأهل الحصن قد أشفوا منه على الدامغ الدامر، وقد بلوا من وبل وباله بالهامل الهامر. فأتاهم الفرج من حيث لم يحتسبوا، ووافاهم الفرح من حيث لم يكتسبوا.

وذلك أن زنكيا كان إذا نام، ينام حول سريره عدة من خدامه، يشفقون عليه في حالتي يقظته ومنامه. يذودون عنه ذود الآساد في ملاحمه، ويزورونه زور الخيال في أحلامه. وهم من الصباح الروق في حسن الصباح لدى الشروق. وهو يحبهم ويحبوهم، ولكنه مع الوفاء منهم يجفوهم وهم أبناء الفحول القروم، من الترك والأرمن والروم. وكان من دأبه أنه إذا نقم على كبير أرداه وأقصاه، واستبقى ولده عنده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت