نخاطب ونخطب. فقيل لهما ما أنتما إلا سفيرا اهتداء وإهداء، وخفيرا ولاية لولاء.
والتعرض للخطبة تعرّض للخطوب، ولا ترغبا في الخطبة إن رغبتما في الولاء المخطوب. فقالا: رسولكم بها وعد، ففيم إخلاف العدة، وإتلاف الجدة، وإثارة الثائرة الموجدة للموجدة. فقيل لهما: ما كان لرسولنا أن يقول ما لم نشر به، وفيم رضانا عن مرسلكما أمن شربه وسربه، وغدا يوافقكم رسولنا على أنه لم يقل ما قلتماه، ولم يعقد ولم يحل فيما به عقدتماه. فافترقوا للاجتماع في غد، والمعاودة لموعد.
فاتفق أن رسول الخليفة، وهو الحاجب سونج النظامي، في تلك الليلة توفي، وأحمد سراج حياته وأطفى، وكتم سره تحت التراب وأخفى. وكان هذا من أعجب الغرائب، وأغرب العجائب. حتى تحدث الناس بذلك الحادث، وانبعثوا لذكر ما تجدد عليه من المباعث. وقيل: إنه خير بين أن يقتل صبرا، أو يشرب سما وما فيهما حظ لمختار، وقيل: بل بقضاء من الله جار، وأجل موقوت بمقدار. فلم يجر بعد وفاته لتلك المواعدة معاودة ولا موافاة، ووقعت من الرسولين منافرة ومنافاة.
فاتفق أن القاضي أبا هريرة أحد الرسولين توفي بعد أسبوع من وفاة سونج، ولم يكن دينه أيضا من القدر بمنج. فرجف الناس وأرجفوا، وتحدثوا بما عرفوا وبما لم يعرفوا. واستشعر الرفيق الآخر وقال: ما في الإقامة خلاص. وأفلت راحلا وله خصاص، فإنه غلب على ظنه أنه إن أقام قضى، ولحق بمن مضى. فتلاشت تلك الرسالة لعدم رسلها، ولروعة مثل ذلك الحادث لم يرجعوا إلى مثلها. ووقعت في أنفسهم من بغداد، الهيبة ومن حصولها الخيبة. فلم يقدم ملك إليها، ولم يقدم سلطان عليها.
قال: وفي هذه السنة. وهي السنة 555 هـ، توفى ملكشاه بن محمود بن محمد وذلك إنه لما عرف ملكشاه أن عمه ملك، وأن حسان الممالك به تفذلك، وأنه يتعود خلوته، ولا يخلي عادته، ويريد هواه ولا يهوي إرادته، نهض وافر العدد، وافي العدد، وجاء إلى جي بلا لي. ووفر حبور أهل أصفهان بحضوره، وأذعنوا لأوامره إذ عنوا بأموره. واستبشروا وأنسوا ببشره، ونشروا الطيب وطابوا بنشره. وقالوا عاودتنا الألطاف الإلهية، وعادت علينا الأيام الملكشاهية. وأقام، وسير الكتب إلى الأطراف،