فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 388

إني أجد نفسي قد قويت وحركتي قد تزايدت، فطابت نفوسهم وساروا، وقد وصل العسكر الآخر، فتراءى الجمعان بينهما دجلة وجرى بينهما مراماة وسباب، ونهبوا البلاد في طريقهم إلى أن وصلوا إلى واسط).

إذن فإن محمدا قد دخل بغداد دون أن يلقى مقاومة، فمرض بركيارق، وقد شغله وشغل أصحابه عن التفكير في الدفاع، وكان همهم النجاة بأنفسهم.

وكان من الطبيعي أن يضطربوا ويخافوا ويحاروا، فموت بركيارق سيجعلهم وجها لوجه أمام انتقام محمد، ومع ذلك فقد تماسكوا وحملوا سلطانهم في محفة عابرين به دجلة من جانب بغداد الشرقي إلى جانبها الغربي؛ لأن وصول محمد إلى بغداد سيكون في الجانب الشرقي وبذلك يكون دجلة حاجزا بينهم وبين جيوش محمد.

على أننا لا بد لنا من أن نتساءل عن حقيقة هؤلاء الأصحاب، حقيقتهم العددية، وحقيقتهم العسكرية، وحقيقتهم الخلقية.

ونعني بالحقيقة الخلقية هنا: ما إذا كان ثباتهم مع بركيارق بعد أن صار إلى ما صار إليه من الوهن: الوهن الجسدي والوهن العسكري، هو وفاء منهم للرجل الذي كان بالأمس سلطانهم القوي الراتعين في ظله في خفض من العيش ودعة ونفوذ سلطان، أم أن ذلك خوف من المصير المجهول الذي ينتظرهم من العدو المنتصر، خوف يدعوهم إلى التماسك لمواجهة الخطر الداهم؟!.

ثم ما هي حقيقتهم العددية الموصلة إلى حقيقتهم العسكرية؟ إن ابن الأثير يقول: (وساروا وقد وصل العسكر الآخر، فتراءى الجمعان بينهما دجلة، وجرى بينهما مراماة وسباب، ونهبوا البلاد في طريقهم إلى أن وصلوا إلى واسط) .

وهذا يدل على أن بقايا جيش كان لا يزال يحيط ببركيارق، بقايا جيش ليس مؤهلا للصدام بجيش محمد، وكل ما استطاعته هذه البقايا هو أن ترامي أعداءها بالنبل من وراء نهر دجلة وأن تتبادل وإياها السباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت