لنا أن نفسر موقف هذا الخطيب بأحد تفسيرين: إما أن يكون الخطيب مذبذبا انتهازيا لا يدرى لمن تكون الغلبة في الغد، فهو لا يريد أن يتورط بإعلان الولاء لأحد المتنازعين. وإما أن يكون مخلصا ساءه هذا الخلاف، لا سيما في هذه الظروف التي يعاني فيها المسلمون ما يعانون من إذلال الصليبيين لهم، بينما ينشغل حكامهم بأنفسهم وشقاقهم وتقاتلهم فيما بينهم، فأرسلها دعوة صالحة موجزة...
نحن نريد أن نميل إلى الرأي الثاني، لأننا نحسن الظن بالأمة، ونوقن أن فيها من كوامن الخير والحمية والنجدة والشهامة ما لو أهيب بها لدفعت شر الصليبيين وعدوانهم.
وخير ما يمثل الأمة، وصفتها الحقيقية، هو هذا الخطيب المجهول...
وبعد أن كاد القتال أن ينشب بين الفريقين المتنازعين سلم (آياز) بالأمر الواقع ومشى للسلطان محمد. وتوالت الأحداث حدثا بعد حدث، وفيها من التنازع والتقاتل والقتل ما فيها.
ومن أهم ما كان فيها أن الإسماعيليين الذين أصيبوا بما أصيبوا به من التخريب والقتل والسبي والنهب، ما مر ذكره، وجدوا فرصة للانتقام فكانوا في انتقامهم شرا ممن انتقموا منهم، إذ نالوا في انتقامهم من الأبرياء والضعفاء والقريبين والبعيدين، لا سيما قاصدي بيت الله للحج.
وكما نقلنا هناك عبارة ابن الأثير في وصف ما جرى على الإسماعيليين لننقل هنا أيضا إنصافا للحقيقة عبارة ابن الأثير فيما أجراه الإسماعيليون. قال ابن الأثير: (في هذه السنة(498) سار جمع كثير من الإسماعيلية من (طريثيت) عن بعض أعمال بيهق، وشاعت الغارة في تلك النواحي وأكثروا القتل في أهلها والنهب لأموالهم والسبي لنسائهم...
وفي هذه السنة اشتد أمرهم، وقويت شوكتهم، ولم يكفوا أيديهم عمن يريدون قتله، لاشتغال السلاطين عنهم. فمن جملة فعلهم: أن قفل الحاج تجمع، هذه السنة، مما وراء النهر، وخراسان، والهند، وغيرها من البلاد، فوصلوا إلى خوار الري،