(تنبيه) إن الزهد الحقيقي برودة الدنيا على قلب العبد، لأجل الله وعظيم ثوابه ومقدماته ترك طلب المفقود من الدنيا، وتفريق المجموع منها، وترك إرادتها واختيارها، فإذا أتى بها العبد أورثت تلك الزهد الحقيقي. ثم الباعث على الترك والتفريق وذكر آفات الدنيا وعيوبها. قال بعضهم: تركت الدنيا لقلة غنائها وكثرة عنائها، وسرعة فنائها وخسة شركائها. وقال الغزالي القول البالغ فيه ما قاله شيخنا أبو بكر الطوسي: إن الدنيا عدوّة الله عزّ وجلّ، وأنت محبه فمن أحبّ أحدًا أبغض عدوّه جعلنا الله من المبغضين للدنيا والمحبين للآخرة. وروى الليث عن جرير قال: صحب رجل عيسى عليه السلام، وقال: يا نبيّ الله أكون معك، وأصحبك فانطلقا إلى شط نهر، فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين، وبقي رغيف، فقام عيسى عليه السلام إلى النهر فشرب، ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري فانطلق ومعه صاحبه، فرأى ظبية ومعها خشفان لها. قال: فدعا أحدهما فأتاه فذبحه وشوى منه، وأكل هو والرجل. ثم قال للخشف: قم بإذن الله فقام فذهب، فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية مَن أخذ الرغيف؟ قال: ما أدري، قال: ثم انتهيا إلى نهر فأخذ عيسى بيد الرجل فمشيا على الماء فلما جاوزا. قال: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري، قال: فانتهيا إلى مفازة فجلسا، فأخذ عيسى فجمع ترابًا أو رملًا، وقال له: كن ذهبًا بإذن الله فكان ذهبًا فقسمه ثلاثة أثلاث. فقال: لي ثلث وثلث لك وثلث لمن أخذ الرغيف، فقال: أنا أخذته، قال: فكلُّه لك، وفارقه عيسى، فانتهى إليه رجلان وهو في المفازة ومعه المال، فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه. فقال هو بيننا أثلاثًا قال: فابعثوا أحدكم إلى القرية ليشتري طعامًا، فقال الذي بعث لأي شيء نقاسم هذا المال، لأجعلنّ لهما في الطعام سمًا فأقتلهما به، وآخذ هذا المال جميعه، فجعل فيه السم وقال صاحباه في غيبته: