واعلم أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات، لا يكمل إلا بعد التقرب بترك المحرمات. فمن ارتكب المحرمات ثم تقرب بترك المباحات كان بمثابة من يترك الفرائض، ويتقرب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئًا عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته؛ لكن قال الأوزاعي: يفطر بالكذب والغيبة لما قال رسول الله: «خَمْسُ خِصَالٍ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ وَيَنْقُضْنَ الوُضُوءَ: الكَذِبُ والغَيْبَةُ والنَّمِيمةُ والنَّظْرَةُ بِشَّهْوَةٍ وَاليمينُ الكَاذِبَةُ» رواه الأزدي والديلمي عن أنس. وفي مسند الإمام أحمد: «أن امرأتين صامتا في عهد رسول الله فأجهدهما الجوع والعطش في آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا، فبعثتا إلى رسول الله تستأذنانه في الإفطار فأرسل إليهما قدحًا لهما قِيآ فيه ما أكلتما، فقاءت إحداهما نصفه دمًا عبيطًا ولحمًا عريضًا وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه، فتعجب الناس من ذلك فقال رسول الله: «هَاتَانِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ الله لَهُما وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ الله عَلَيْهِما، فَغَدَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأخرى، فَجَعَلَتَا تَغْتَابَانِ النَّاسَ فَهاذَا مَا أَكَلَتَا مِنْ لُحُومِهِمْ» .
وروي عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: ما من عبد صام رمضان في إنصات وسكوت وذكر الله وأحل حلاله وحرّم حرامه، ولم يرتكب فيه فاحشة إلا انسلخ من رمضان يوم ينسلخ، وقد غفرت له ذنوبه كلها، ويبنى له بكلِّ تسبيحة وتهليلة بيت في الجنة من زمردة خضراء في جوفها ياقوتة حمراء في جوف تلك الياقوتة خيمة من درة مجوفة فيها زوجة من الحور العين.