وحكى اليافعي عن الجنيد أنه قال: كنت جالسًا في مسجد الشونيزية أنتظر جنازة أصلي عليها فرأيت فقيرًا عليه أثر النسك يسأل الناس، فقلت في نفسي لو عمل هذا عملًا يصون به نفسه عن المسألة كان أجمل له، فلما انصرفت إلى منزلي وكان لي شيء من الأوراد بالليل من البكاء والصلاة وغير ذلك فثقل عليّ جميع أورادي، فسهرت وأنا قاعد فغلبني النوم، فرأيت ذلك الفقير حتى جيء به على خوان كالشاة المشوية، فقيل لي: كل لحمه فقد اغتبته، وكشف لي الحال فقلت: ما اغتبته، وإنما قلت في نفسي شيئًا، فقيل لي: ما أنت ممن يرضى منك مثل هذا فاذهب واستحلّ منه، فلما أصبحت لم أزل في طلبه حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء عند تردّد الماء أوراقًا من البقل مما تساقط من غسل البقل، فسلمت عليه فردّ عليّ، وقال: تعود يا أبا القاسم قلت لا. قال: اذهب غفر الله لنا ولك.
(تنبيه) إن الغيبة حرام إجماعًا، بل قال كثيرون إنها كبيرة، وقد نقل القرطبي المفسر وغيره الإجماع على أنها من الكبائر لما فيها من الوعيد الشديد، لكن حمله بعضهم على غيبة أهل العلم وحملة القرآن، وكذا استماعها والسكوت عليها مع القدرة على دفعها.
واعلم أن حدّ الغيبة المحرّمة أن تذكر ولو بنحو إشارة وكتابة حتى بالقلب غيرك الغائب المحصور المعين للسامع حيًا كان أو ميتًا بما يكره عرفًا أن يذكر به مما هو فيه بحضرته أو غيبته، ويجب على من اغتاب أن يبادر إلى التوبة بشروطها، فيقلع ويندم ويستغفر للمغتاب إن لم يعلم بها وإلا استحله منها، فإن تعذر لموته أو تعسر لغيبة استغفر الله له ولنفسه، ولا يكفي تحليل وارثه.
رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 186