وحكى اليافعي عن أبي الحسن السراج قال: خرجت حاجًَّا إلى بيت الله الحرام، فبينما أنا أطوف وإذا بامرأة قد أضاء حسن وجهها، فقلتُ: والله ما رأيت اليوم قط نضارة وحسنًا مثل هذه المرأة وما ذاك إلا لقلة الهمّ والحزن، فسمعت ذلك القول مني، فقالت: كيفما قلت يا هذا الرجل؟ والله إني لوثيقة بالأحزان ومكلومة الفؤاد بالهموم والأشجان ما يشركني فيها أحد، فقلت لها: وكيف ذلك؟ قالت: ذبح زوجي شاةً ضحَّى بها ولي ولدان صغيران يلعبان، وعلى ثديي طفل يرضع، فقمت لأصنع طعامًا إذ قال ابني الكبير للصغير: ألا أريك كيف صنع أبي بالشاة؟ قال: بلى، فأضجعه وذبحه وخرج هاربًا نحو الجبل فأكله ذئب، فانطلق أبوه في طلبه فأدركه العطش، فمات فوضعت الطفل وخرجت إلى الباب أنظر ما فعل أبوه، فدبّ الطفل إلى البرمة، وهي على النار فألقى يده فيها وصبها على نفسه وهي تغلي، فانتثر لحمه على عظمه، فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها فرمت بنفسها إلى الأرض فوافقت أجلها، فأفردني الدهر من بينهم. فقلت لها: فكيف صبرك على هذه المصائب العظيمة؟ فقالت: ما من أحد ميز الصبر والجزع إلا وجد بينهما منهاجًا متفاوتًا، فأما الصبر بحسن العلانية، فمحمود العاقبة، وأما الجزع فصاحبه غير معوّض.
وحكي عن بعض المشايخ أنه رأى سفيان الثوري في المنام، فقال له: كيف رأيت الموت؟ فقال: أما الموت فلا تسأل عن عظمته وشدّته. فقال: أي الأعمال وجدته أنفع؟ فقال: كل عمل صالح أنفع، ولكنني نجوت من الحساب باسترجاعي وصبري عند مصيبة بولد لي مات. فقال سبحانه وتعالى أنسيت وقد قبضت ثمرة فؤادك، فاسترجعتَ وحمدتني اذهب فقد غفرت لك سيئاتك، وضاعفت حسناتك، ورفعت درجاتك. غفر الله سيئاتنا وضاعف حسناتنا ورفع درجاتنا.