فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 77

المثال الثامن

أورد شارح الطحاوية في ص 287 فيما يتعلق بالقدر سؤالا، فقال: فإن قيل:"إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله وقدره فكيف ننكره ونكرهه ؟"

فالجواب أن يقال:

أولا: نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به العاصي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم.

ويقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي، وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، نرضى به كله. والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به". إلخ."

وقد أورد الدكتور هذا السؤال في ص 142 من كتابه فقال:(إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، فكيف ننكره ونكرهه، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله؟ يمكن الجواب عن هذا التساؤل بواحدة مما يلي:

1-نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، بل من المقضي ما يرضى به ومنه يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته وهو الله سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم... إلخ.

أقول: وبهذه الأمثلة يتبين أن ما أورده الشارح من الأسئلة والشبه ليس جدالا كلاميا، بل هي شبه باطلة للرد عليها، إحقاقًا للحق وإبطالًا للباطل، وتبعه الدكتور في إبقائها في كتابه ولم يحذفها كما وعد بأن يحذف كل ما له صلة بالفلسفة والجدل الكلامي.

وشارح الطحاوية -رحمه الله- نقل في شرحه عن أبي حامد الغزالي ذم العلماء، وتحريمهم لعلم الجدل والكلام بعد أن ذكر أقوال الناس فيه، فقال في ص 222 - 224:"ومن كلام أبي حامد الغزالي -رحمه الله- في كتابه الذي سماه"إحياء علوم الدين"وهو من أجل كتبه أو أجلها،"فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم، أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن للناس في هذا غلوًا وإسرافًا في أطراف، فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك، خير له من أن يلقاه بالكلام ) ، إلى أن قال: (وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف ) .

وساق الألفاظ عن هؤلاء، قال: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه. قالوا: ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف للحقائق، وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم، إلا لما يتولد منه من الشر، إلى أن قال - بعد أن بين المختار عنده وأن فيه منفعة ومضرة - قال: ( فأما مضرته، فإيثاره الشبهات، وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا حرزه في اعتقاد الحق، وله ضرر في... تأكيد اعتقاد البدعة، وتثبيتها في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل.

قال: وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف. إلى أن قال: فاسمع هذا ممن خبر الكلام. ثم قال بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور"ا هـ."

قلت: هذا ما نقل الشارح عن الغزالي عن الجدل الكلامي، وإيضاح حكمه عند العلماء المحققين، فكيف يقال إن الشارح يضمن كتابه كلاميا وفلسفيا، وهو قد نقل عن العلماء ذم الجدل والكلام، فيتناقض مع نفسه !! اللهم ارزقنا العدل والإنصاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت