فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 77

الملحوظة الثالثة عشرة: إطلاق القول بوجوب الرضا بما قضاه الله وقدره دون الإشارة إلى خلاف العلماء في ذلك:

بحث الدكتور التسليم للقدر والرضا به، واحتساب الثواب عليه، وأطلق القول بوجوب الرضا بما قدره الله، ولم يذكر خلاف العلماء في ذلك.

قال الدكتور في اختصاره لكتاب التوحيد تحت عنوان: محرمات ينبغي تجنبها ص 231 سطر 15 - 17، (30 - ولقد ورد النهي الصريح عن قول"لو"إذا أصاب الإنسان شيء، فإن ذلك يفتح عمل الشيطان، ولكن يقول الإنسان: قدَّر الله وما شاء فعل، أي: هذا قَدَرُ الله والواجب التسليم للقدر والرضا به، واحتساب الثواب عليه) ا هـ.

قلت: هكذا جمع الدكتور بين الصبر على القدر والتسليم له، وبين الرضا به في الحكم، مع أن هناك فرقا بينهما في الحكم، فالصبر على المقدور والتسليم للقدر واجب بالاتفاق، ويدل عليه ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: اثنان في الناس هما بهم كُفْرٌ: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت وقد ساق الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- هذا الحديث في باب:"من الإيمان الصبر على أقدار الله"من كتاب التوحيد.

فالحديث يدل على أن الصبر على القَدَرِ واجب؛ لأن النياحة منافية له، فلما حُرِّمت، دل ذلك على وجوب الصبر، وذلك لما في النياحة، التي هي رفع الصوت بالبكاء، وتعداد محاسن الميت، من التسخط على القدر، والجزع المنافي للصبر، كقول النائحة مثلا: واعضداه، واناطراه، واكاسياه

أما الرضا بما قضاه وقدره، وهو أن يسلم العبد أمره إلى الله، ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه، فلا يعترض على حكم الله القدري، كما لا يعترض على حكم الله الشرعي، ولا يتسخطه ولا يكرهه، والسخط هو الكراهية للشيء وعدم الرضا به، ولن يصيب العبد حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر و البلاء كرضاه عند الغنى والرخاء، فمن رضي فله الرضا من الله، ومن سخط على أقدار الله فله السخط، وكفى بذلك عقوبة.

وقد ورد ما يدل على فضيلة الرضا بأقدار الله المؤلمة، كالحديث الذي رواه الترمذي وحسنه، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط وقد ساق الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- هذا الحديث في: (باب من الإيمان الصبر على أقدار الله) من كتاب التوحيد.

واختلف العلماء: في وجوب الرضا بأقدار الله المؤلمة، فذهب ابن عقيل من الحنابلة إلى وجوب الرضا، مستدلًا بحديث الترمذي الذي سيق قريبًا، ومنه: فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط .

وذهب القاضي من الحنابلة إلى عدم وجوب الرضا بالبلاء والمصائب، بل يستحب الرضا فقط، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وتلميذه ابن القيم -رحمه الله-، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"ولم يجئ الأمر بالرضا كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم"قال: وأما ما يروى:"من لم يصبر على بلائي، ومن لم يرض بقضائي، فليتخذ ربا سواي". فهذا إسرائيلي، لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وأعلى من ذلك - أي من الرضا بالمصائب - أن يشكر على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها".

قلت: يستخلص مما سبق من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- وكلام غيره، أن الإنسان له عند المصائب ثلاث حالات:

الحالة الأولى: الصبر على المصيبة فقط دون الرضا بها.

الحالة الثانية: الصبر على المصيبة والرضا بها.

الحالة الثالثة: الصبر على المصيبة والرضا بها، وشُكْر الله عليها؛ لما يرى من إنعام الله عليه بها، فهي حالات ثلاث للإنسان عند المصائب تتفاوت في الفضل والكمال، أما الحالة الرابعة، وهي التسخط والجزع عند المصيبة، وعدم الصبر، فهذه محرمة وصاحبها عاصٍ لله، ومتعرض للعقوبة.

فائدة في الفرق بين الصبر والرضا.

قال طائفة من السلف إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها، بخلاف الصابر. وقيل: الرضا أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضٍ بأي ذلك كان والصبر، وأن يكون بعد نزول المصيبة يصبر، وأجيب عن هذا الأخير بأن هذا عزم على الرضا، وليس هو الرضا، فإن الرضا يكون بعد القضاء لا قبله، كما في الحديث: وأسألك الرضا بعد القضاء ولأن العبد قد يعزم على الرضا بالقضاء قبل وقوعه، فهو الراضي حقيقة.

قلت: فتبين مما سبق أن الصبر: هو أن يحبس نفسه، ويمنعها من التسخط، ويحبس لسانه، ويمنعه من التشكي، ويحبس جوارحه، ويمنعها من المحرمات، كاللطم للخدّ، والشق للثوب، وغير ذلك، وأن الصبر واجب لا بد منه للمؤمن، وهو من الإيمان.

وأما الرضا بالقضاء، فهو فوق حالة الصبر، يكون بعد القضاء لا قبله، مطمئنًا منشرح الصدر لما نزل به، غير متمنٍ حالة أخرى غير حاله التي عليها، والرضا مستحب عند العلماء، والوجوب فيه خلاف بينهم، واختار شيخ الإسلام وابن القيم -رحمهما الله- عدم الوجوب، وأعلى من الرضا بالقضاء، الشكر لله على المصيبة؛ لكونه يراها نعمة أنعم الله بها عليه، وحال الشاكر أعلى الحالات وأكملها في الفضل، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت