فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 77

الملحوظة الثانية والثلاثون

إثبات أن الميت ينتفع بقراءة القرآن قبل خروج روحه، وأن القراءة عنده من قبيل التلقين للميت.

بحث الدكتور قراءة القرآن عند الميت، وقال: إنه لا ينتفع بها بعد موته، ولكنه ينتفع بها قبل موته؛ لأنها تكون حينئذ من قبيل التلقين للميت، قال الدكتور في تهذيبه ص 187 (أما قراءة القرآن عند الميت، فإنه لا ينتفع بها الشخص إذا كان ميتًا، سواء دفن أم لا، أما من قبل أن تفارقه روحه فقد ينتفع بها، إذ إن القراءة هنا من قبيل التلقين، والتلقين إنما يكون قبل خروج الروح، لا بعد الوفاة ولا عند الدفن، ولا بعده ) ا هـ.

أقول: أثبت الدكتور أن الميت ينتفع بقراءة القرآن قبل خروج روحه، وهذا لبعض العلماء، قالوا: يسن أن يقرأ عنده: (يس والقرآن الحكيم ) ، ويقرأ عنده الفاتحة أيضًا، وقيل: يقرأ أيضًا (سورة تبارك) ، قالوا: ولأنه يسهل خروج الروح، وهذا هو المذهب عند الحنابلة واستدلوا بحديث معقل بن يسار أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: اقرءوا على موتاكم يس رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان قال ابن حبان أراد به من حضرته المنيِّة، لا أن الميت يقرأ عليه"ا هـ. ."

قلت: والحديث ضعيف لا تقوم به حجة لأن في سنده أبا عثمان وهو مجهول، وليس هو النهدي وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث مضطرب الإسناد مجهول المتن، ولا يصح. والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن أبيه عن معقل بن يسار .

قلت: وإذا ثبت ضعف الحديث فلا يحتج به، ولا يشرع قراءة سورة ( يس ) عند الميت قبل خروج روحه، وكذا لا يشرع غيرها من باب أولى، لعدم ورود ذلك. وعليه فلا يقال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن قبل خروج روحه.

وقول الدكتور: إن قراءة القرآن عند الميت قبل خروج روحه من قبيل التلقين ليس بصحيح. فإن التلقين هو أن يذكر من حضره كلمة التوحيد لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه، لما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله .

قال النووي في شرح صحيح مسلم على هذين الحديثين ما نصه: ( قوله -صلى الله عليه وسلم-: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله معناه من حضره الموت، والمراد ذكروه بلا إله إلا الله، لتكون آخر كلماته، كما في الحديث: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة والأمر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين، وكرهوا الإكثار عليه والموالاة؛ لئلا يضجر لضيق حاله وشدة كربه، فيكره ذلك بقلبه، ويتكلم بما لا يليق، قالوا: وإذا قاله مرة لا يكرر عليه، إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض به، ليكون آخر كلامه ويتضمن الحديث الحضور عند المحتضر، لتذكيره وتأنيسه وإغماض عينيه، والقيام بحقوقه، وهذا مجمع عليه) ا هـ

قلت: ولهذا ذكر العلماء في كتبهم أنه يستحب تلقين الميت لا إله إلا الله برفق، لتكون آخر كلامه.

قلت: وبهذا يتبين أن التلقين هو تلقين من حضره الموت كلمة التوحيد؛ لتكون آخر كلامه، عملًا بالأحاديث الصحيحة في الأمر بالتلقين. وأما قراءة القرآن عند المحتضر، فليست مشروعة لعدم صحة الحديث الوارد بذلك كما سبق، وليست من قبيل التلقين، كما ظنه الدكتور في تهذيبه، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت