فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 77

الملحوظة السادسة والعشرون

التناقض بتقرير أن الناس لا يتساوون في الإيمان، ثم تقرير أن الناس سواء في أصل الإيمان.

بحث الدكتور موضوع زيادة الإيمان ونقصانه فأثبت أولا أن الناس لا يتساوون في الإيمان، وقرر مذهب جمهور أهل السنة في مسمى الإيمان، ثم بحث معنى زيادة الإيمان ونقصانه، فأثبت أن الناس سواء في أصل الإيمان، وقرر مذهب مرجئة الفقهاء فاشتبه عليه الأمر ولم يميز بين المذهبين.

قال الدكتور في تهذيبه ص 161 - 163: (زيادة الإيمان ونقصانه. ليس من الصحيح القول إن إيمان الناس سواء، وأن التفاضل بينهم يكون بأمور أخرى غير الإيمان، فالإيمان يزيد وينقص، والأدلة على ذلك كثيرة، ثم سرد الأدلة وكلام الصحابة ثم قال: معنى زيادة الإيمان ونقصانه: ليس المراد بالزيادة والنقصان زيادة أصل الإيمان أو نقصان أصله، فالمؤمنون كلهم سواء في أصل الإيمان، يعني في أصل التصديق، وإنما المقصود الزيادة والنقصان في درجات الإيمان ومستوياته، كالعقل مثلا، فالناس كلهم متساوون في كونهم عقلاء غير مجانين، لكن التفاوت بين أهل الإيمان إنما يكون في الدرجات ومستويات الإيمان كما يلي:

1-التفاضل بين المؤمنين يكون بمقدار اتباعهم للحق، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى، بالخشية والتقوى.

2-صحيح أن أصل التصديق سواء بالنسبة لكافة المؤمنين، لكن هذا التصديق قد يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبت كالبصر إذ لا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه إلخ.

3-أن أصل التصديق بـ ( لا إله إلا الله ) التي هي أصل الإيمان، سواء بالنسبة لكل المؤمنين، فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب إلخ.

4-يكون التفاضل في الإيمان أيضًا بتفاوت التصديق الذي يدفع صاحبه لمزيد من الأعمال الصالحة أعلى درجة من الإيمان الذي لا يدفع بصاحبه إلى أعمال صالحة، أو يدفعه إلى نسبة أقل من الأعمال الصالحة إلخ ) ا هـ كلام الدكتور. قلت: الدكتور خلط بين مذهب جمهور أهل السنة وبين مذهب مرجئة الفقهاء في مسمّى الإيمان، وبيان ذلك كما يلي:

1-جمهور أهل السنة ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث وأهل الظاهر يعتقدون أن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، وذهب مرجئة الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه وطائفة من فقهاء الكوفة وعبادها إلى أن الإيمان: هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان فقط. ومنهم من ذهب إلى أن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي.

2-بناء على ما سبق يرى جمهور أهل السنة أن الأعمال جزء من الإيمان، ويرى أبو حنيفة وأصحابه في طائفة من أهل الكوفة أن الأعمال ملازمة لإيمان القلب، وليست من الإيمان.

3-يرى جمهور أهل السنة أن الناس لا يتساوون في الإيمان، بل هم متفاوتون تفاوتًا عظيمًا، وان الإيمان يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، ويرى مرجئة الفقهاء أن الإيمان واحد، وأن الناس متساوون في أصل الإيمان، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، والتفاضل بالأعمال وليست من الإيمان، كما قال الطحاوي في تقرير مذهبهم: (والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى. وفي نسخة:(والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى وملازمة الأولى ) . ففي النسخة الأولى: التفاوت بين المؤمنين بأعمال القلوب، وأما التصديق فلا تفاوت فيه، وفي النسخة الثانية: الكل مشتركون في أصل التصديق، ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت، كما أن الناس مشتركون في أصل الإبصار، ولكن بتفاوت قوة وضعفًا .

أقول: والصواب: أن لا يتساوون في أصل الإيمان، وأن التصديق يتفاوت ويكون بعضه أقوى من بعض، فمن أخبر أن الوادي يجري، وليس تصديقه كتصديق من رآه بعينه أو شرب منه فلذلك إيمان الناس وتصديقهم يتفاوت ويزيد وينقص. وبعد هذا إذا نظرنا إلى كلام الدكتور وجدناه يخلط بين المذهبين وقررهما جميعا، وبيان ذلك كما يلي:

1-قوله: (ليس من الصحيح القول: إن إيمان الناس سواء، وأن التفاضل بينهم يكون بأمور أخرى غير الإيمان، فالإيمان يزيد وينقص، والأدلة على ذلك كثيرة) .

أقول: هذا فيه تقرير لمذهب جمهور أهل السنة ونفي لما ذهب إليه مرجئة الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة

2-قوله: (ليس المراد بالزيادة والنقصان زيادة أصل الإيمان أو نقصان أصله، فالمؤمنون كلهم سواء في أصل الإيمان، يعني في أصل التصديق، وإنما المقصود الزيادة أو النقصان في درجات ومستوياته كالعقل مثلًا ) .

أقول: هذا كلام فيه تقرير لمذهب مرجئة الفقهاء وهو أن الناس متساوون في أصل الإيمان، كما قال الطحاوي (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء) .

3-قوله: (التفاضل بين المؤمنين يكون بمقدار اتباعهم للحق، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى، والخشية والتقوى) .

أقول: هذا فيه تقرير لمذهب الأحناف ومرجئة الفقهاء من أن التفاضل بين الناس في الأعمال لا في الإيمان، فلا تفاضل فيه.

4-قوله: (إن أصل التصديق بلا إله إلا الله - التي هي أصل الإيمان - سواء بالنسبة لكل المؤمنين، فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب ) .

أقول: هذا فيه تقرير لمذهب الأحناف ومرجئة الفقهاء من أن الإيمان لا تفاضل فيه، وإنما التفاضل بأعمال القلوب.

5-قوله: (يكون التفاضل أيضًا بتفاوت التصديق الذي يؤدي للعمل، فالإيمان الذي يدفع بصاحبه لمزيد من الأعمال الصالحة، أعلى درجة من الإيمان الذي لا يدفع بصاحبه إلى الأعمال الصالحة، أو يدفعه إلى نسبة أقل من الأعمال الصالحة) .

أقول: هذا فيه تقرير لمذهب جمهور أهل السنة من أن الإيمان يتفاضل بتفاضل الناس في الأعمال الصالحة، وبهذا يتبين أن الدكتور يخلط بين مذهب جمهور أهل السنة ومذهب مرجئة الفقهاء فيقرر هذا المذهب مرة، ويقرر المذهب الآخر مرة أخرى. والحق: ما ذهب إليه جمهور أهل السنة من أن الناس يتفاضلون في الإيمان، ولا يتساوون في أصل الإيمان، ولا في أعمال القلوب، ولا في أعمال الجوارح، وأن الإيمان يزيد وينقص ويقوى ويضعف. وهذا هو الذي تقتضيه نصوص الشرع من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو الذي قررته جماهير أهل العلم من السلف والخلف، والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت