الاقتصار في التوسل المشروع على ثلاثة أنواع منه: اقتصر الدكتور في التوسل المشروع على ثلاثة أنواع منه، هي أسماء الله وصفاته، والعمل الصالح، ودعاء الحي على الحاضر. قال الدكتور في تهذيبه في ص 119 سطر 12 - 17: ( إن لفظ التوسل بالشخص أو بالشيء والتوجه به إلى الله، لفظ عام يجب فهم معناه جيدًا، وإلا وقعنا في المحظور، وقبل أن نستطرد علينا أن ننبه إلى أمر هام، هو أن القواعد التالية تحكم التوسل، فما كان في نطاقها فهو مسموح به، وإلا كان حرامًا، وهي:
1-التوسل بأسماء الله وصفاته.
2 -التوسل بالعمل الصالح للمتوسل نفسه.
3-التوسل بدعاء الرجل الصالح"ا هـ."
قلت: ويزاد على ذكره الدكتور من أنواع التوسل المشروع، أربعة أنواع أخرى.
أحدها: التوسل بالتوحيد، كقول السائل: اللهم إني أسألك بأن لك الحق أنت الله لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، وكقول السائل: اللهم إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوي ج1 ص206"فالسؤال كقول السائل لله: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"ا هـ.
الثاني: التوسل بالإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ومحبته وطاعته واتباعه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي ج1 ص 2 / 2(نعم لو سأل الله بإيمانه بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، ومحبته له، وطاعته له واتباعه، لكان قد سأله بسبب عظيم، يقتضي إجابة الدعاء، بل بأعظم الأسباب والوسائل، والنبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل التوحيد، لا أهل الشرك، وهي مستحقة لمن دعا له بالوسيلة، كما في الصحيح أنه قال: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى علي مرة، صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله ليَ الوسيلة، فإنها درجة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة، حلت له شفاعتي يوم القيامة وفي الصحيح أن أبا هريرة قال له: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه .
فبين -صلى الله عليه وسلم- أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيدا وإخلاصا؛ لأن التوحيد جماع الدين، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا شفّع محمدًا حدّ له ربه حدًّا، فيدخلهم الجنة، وذلك بحسب ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان، وذكر -صلى الله عليه وسلم- أنه من سأل الله له الوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة، فبيّن أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان، وبالدعاء الذي سنّ لنا أن ندعو به )ا هـ.
وقال أيضًا -رحمه الله- ج2 ص201:"وحينئذ فلفظ التوسل به -يعني بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به السنة، فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء، فأحدهما هو أصل الإيمان به وبطاعته، والثاني دعاؤه وشفاعته كما تقدم. فهذان جائزان بإجماع المسلمين - إلى قوله - في ص202:"والثالث التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته، ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره"ا هـ."
قلت: ومن التوسل بالإيمان، قوله تعالى عن أولي الألباب: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ وقوله تعالى عن المتقين: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وقوله تعالى عن عباده المؤمنين: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .
الثالث: التوسل بفقر الداعي وتضرعه، واعترافه بظلمه لنفسه، كما في قوله تعالى حكاية موسى -عليه السلام- أنه قال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فتوسل بفقره وحاجته، وكما في الحديث الصحيح عند البخاري، في سؤال أبي بكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفرلي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم فإنه توسل باعترافه بظلمه لنفسه.
الرابع: التوسل بسبب وجود المسؤول، كقول السائل:"أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان بديع السماوات والأرض". فإن كونه محمودًا منانًا، بديع السماوات والأرض، يقتضي أن يمن على عبده السائل، وكونه محمودًا يوجب أن يفعل ما يحمد عليه، وحمد العبد له بسبب إجابة دعائه؛ ولهذا أمر المصلي أن يقول:"سمع الله لمن حمده"، أي: استجاب الله دعاء من حمده، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع أي: لا يستجاب، ومنه قول الخليل في آخر دعائه: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ا هـ.كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- بتصرف يسير في أوله.