الجمع بين آيتين من كتاب الله تعالى بوجهين من الجمع غير ظاهرين. جمع الدكتور بين قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبين قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ بوجهين من الجمع غير ظاهرين، فقال في تهذيبه ص 139 - 140: (فكيف يمكن لنا الجمع بين قوله كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبين قوله فَمِنْ نَفْسِكَ والجواب:
1-قوله تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الخصب والجدب، والنصر والهزيمة كلها من عند الله، وقوله: فَمِنْ نَفْسِكَ أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك، عقوبة لك، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ .
2 -ليس صحيحًا القول: إن فعل العبد حسنة كان أو سيئة، فهو منه، لا من الله !! إذ يجب التفريق كما فرق القرآن بينهما (انظر الآيات الآنفة الذكر) فقد فرق سبحانه وتعالى في هذه الآيات بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله، وهذه من نفس الإنسان ) إلخ.
أقول: هذان الوجهان من الجمع بين الآيتين غير واضحين، والدكتور نقلهما من شرح الطحاوية، والشارح أتى بالثاني للرد على القدرية الذين يقولون: إن فعل العبد حسنة كان أو سيئة فهو منه، لا من الله. فرد عليهم بأن القرآن فرق بينهما في قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فجعل الحسنات من الله، وجعل السيئات من النفس، وهم لا يفرقون، وبأن القرآن جمع بينهما، فجعل الحسنات من عند الله، في قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهم لا يجمعون بينهما، بل يفرقون بين الحسنات والسيئات في الأعمال البدائية الأولى، وإنما يجمعون بينهما في الجزاء على الأعمال.
قال شارح الطحاوية ص411: (وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: فَمِنْ نَفْسِكَ فإنهم يقولون: إن فعل العبد - حسنة كان أو سيئة - فهو منه، لا من الله، والقرآن فرق بينهما، وهم لا يفرقون؛ ولأنه قال تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فجعل الحسنات من عند الله، كما جعل السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال بل في الجزاء ) ا هـ.
أما الوجه الأول فليس بظاهر، والصواب في الجمع بين الآيتين: أن معنى قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قضاءً وخلقًا وإيجادًا وتقديرًا. ومعنى قوله: فَمِنْ نَفْسِكَ تسببًا وكسبا ومباشرة، فمن الرب الإيجاد والخلق والتقدير والقضاء والقدر، ومن العبد الكسب والتسبب والمباشرة.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- على هاتين الآيتين: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي: من فضل الله ومنّه ولطفه ورحمته وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ أي: فمن قِبَلك ومن عملك) ا هـ
وقال القرطبي -رحمه الله- في"الجامع لأحكام القرآن"على هاتين الآيتين: (قال الله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي: الشدة والرخاء والظفر والهزيمة من عند الله، أي: بقضاء الله وقدره، وقوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ أي: أصابك يا محمد من خِصْبٍ ورخاءٍ وصحة وسلامة، فبفضل الله عليك، وإحسانه إليك، وما أصابك من جدب وشدة، فبذنب أتيته عوقبت عليه، والخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، والمراد أمته) ا هـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على هذه الآية: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ قال: (والمقصود أن الآية الكريمة حجة على هؤلاء وهؤلاء، حجة على من يحتج بالقدر، فإن الله أخبر أنه عذبهم بذنوبهم، فلو كانت حجتهم مقبولة لم يعذبهم بذنوبهم، وحجة على من كذّب بالقدر، فإنه سبحانه أخبر أن الحسنة من الله، وأن السيئة من نفس العبد، والقدرية متفقون على أن العبد هو المحدث للمعصية، كما هو المحدث للطاعة، والله عندهم ما أحدث لا هذا ولا هذا، بل أمر بهذا ونهى عن هذا، وليس عندهم نعمة أنعمها على عباده المؤمنين في الدين، إلا وقد أنعم بمثلها على الكفار ) ا هـ.
وقال أيضًا -رحمه الله- (وكذلك من احتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته، إذ احتج بقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كان مخطئًا، فإن الله ذكر هذه الآية ردًّا على من يقول: الحسنة من الله والسيئة من العبد، ولم يقل أحد من طوائف الناس: إن الحسنة المفعولة من الله والسيئة المفعولة من العبد أيضًا، فإن نفس فعل العبد، وإن قال أهل الإثبات: إن الله خلقه، وهو مخلوق له ومفعول له، فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال، وبه قامت ومنه نشأت، وإن كان الله خلقها.
وأيضًا فإن قوله بعد هذا: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ يمتنع أن يفسر بالطاعة والمعصية، فإن أهل الإثبات لا يقولون: إن الله خالق إحداهما دون الأخرى، بل يقولون: إن الله خالق لجميع الأفعال وكل الحوادث.
ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة - مع قولهم: الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه هو الذي خلق العبد هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسّه الخير منوعًا، ونحو ذلك - أن العبد فاعل حقيقة، وله مشيئة وقدرة، قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وقال تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ا هـ.
قلت: وبهذه النقول يبطل احتجاج القدرية بهذه الآية، وأنه لا حجة في الآيتين لمن كذّب بالقدر، ولا لمن يحتج بالقدر، وأن أسعد الطوائف بالعمل بهاتين الآيتين هم أهل الحق من أهل السنة والجماعة ولله الحمد والمنة.