فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 77

الملحوظة الثالثة والعشرون

ضرب مثل لإرادة الله الشاملة وقدرته، وعدم المنافاة لقدرة العبد واختياره بإرادة الواحد من البشر إذا أذن لأحد في الفعل.

ضرب الدكتور مثلًا لإرادة الله الشاملة، وأنها لا تتنافى مع قدرة العبد واختياره بالمعلم إذا سمح لطلابه بخمس دقائق من المحاضرة يفعلون فيها ما يشاءون.

قال الدكتور في تهذيبه ص 136 سطر 8 - 9 (إن الله سبحانه هو الذي منح الاختيار للإنسان، ومنحه أيضًا القدرة على الفعل، وهذا لا يتنافى مع إرادة الله وقدرته، ولا يتعارض معها) . ثم قال في الحاشية رقم 2: (إن هذا لا يتنافى مع كون إرادة الله هي الشاملة، ولنضرب مثلا لتقريب الفكرة: لو منح معلم طلابه خمس دقائق من المحاضرة، وقال لهم: افعلوا ما شئتم خلال الخمس الدقائق هذه، ففعل كل منهم ما يرغب، في هذه الحالة، فإن كثيرًا من أفعالهم قد لا يرضي المعلم، ولكن كل أفعالهم لم تخرج عن إرادته؛ لأنه هو الذي سمح لهم بذلك، والخمسة دقائق هنا تشبه بالنسبة للإنسان عمره وحياته، إذ منحه الله حرية الاختيار فيها ) ا هـ.

أقول: هذا المثل الذي ضربه الدكتور مثل خاطئ؛ لأنه قاس فيه الخالق على المخلوق مع الفارق العظيم والبون الشاسع، وكيف يقاس الخالق على المخلوق.

وإذا كانت المخلوقات تتفاوت تفاوتًا عظيمًا، فلا يقاس العرش على البعوضة لما بينهما من التفاوت العظيم، فالتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم، وكيف يضرب المثل لإرادة الله الشاملة لإرادة العبد وقدرته بإرادة المعلم إذا سمح لطلابه بخمس دقائق من المحاضرة يفعلون فيها ما يشاؤون؟! وكيف تشبّه إرادة الخالق بإرادة المخلوق وإرادة الله صفة من صفاته.

و صفات الرب لا تشبّه بصفات المخلوقين ولا يضرب لله المثال، قال تعالى: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وقال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا وقال تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فلا تقاس إرادة المعلم وقدرته ولا غيره من المخلوقين بإرادة الله تعالى وقدرته؛ لأن الله لا يشبهه أحد من المخلوقين، لا في ذاته ولا في صفاته، لما بين الخالق والمخلوق من الفرق العظيم:

1-فإن الله على كل شيء قدير، والمعلم وغيره من المخلوقين لا يقدرون على كل شيء.

2-إرادة الله الكونية لا يخرج عنها شيء من الأشياء، وإرادة المخلوق من المعلم وغيره يخرج عنها أشياء كثيرة.

3-الله تعالى خالق أفعال العباد وقدراتهم وإرادتهم، والمعلم وغيره مِن المخلوقين لا يخلق أفعال التلاميذ، ولا قدراتهم، ولا إرادتهم.

4-العباد لا يفعلون بقدرات وإرادات خارجة عن قدرة الله وإرادته. والتلاميذ يفعلون بقدرات وإرادة خارجة عن قدرة المعلم وإرادته.

5-الله تعالى علمه محيط بكل شيء، فهو يعلم ما يسره العبد ويعلنه، وهو عليم بذات الصدور، والمعلم لا يعلم ما يسره التلاميذ ويكنونه في صدورهم.

6-الله تعالى حكيم في خلقه وشرعه وقدره وأمره ونهيه، والمعلم وغيره من المخلوقين قد تفوته الحكمة في بعض أفعاله، وفي أوامره ونواهيه لتلاميذه وغيرهم، وكيف نشبّه خمس الدقائق التي يسمح فيها المعلّم لطلابه بفعل ما يشاؤون بعمر الإنسان وحياته، إنّ هذا ناشئ عن تحكيم العقل المجرد، وقياس الخالق على المخلوق.

قال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- في الفقه الأكبر: (وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا) ا هـ. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت