فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 77

الملحوظة السادسة: اعتقاد أن تغليظ النهي في اتخاذ القبور مساجد إنما يكون في بناء مسجد يعبد الله عند قبر رجل صالح:

أثبت الدكتور أن تغليظ النهي في اتخاذ القبور مساجد، إنما يكون في بناء مسجد يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح.

قال الدكتور في اختصاره لكتاب التوحيد، تحت عنوان: من أسباب الشرك ومظاهره ص 226 سطر 16 - 19: (ولذا جاءت النصوص تنهى عن الغلو، فورد تغليظ النهي في بناء مسجد يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نيّة الفاعل، وأن من يفعل ذلك ملعون، وقرن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين من اتخذ القبور مساجد، وبين من تقوم عليه الحجة، وقد لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من اتخذ على القبور المساجد والسرج) ا هـ.

أقول: هكذا قيد الدكتور تغليظ النهي في اتخاذ القبور مساجد ببناء مسجد يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، وهذا التقييد ببناء المسجد لا دليل عليه، بل الأدلة تدل على أن عبادة الله عند القبر من اتخاذه مسجدا المغلظ في النهي عنه، سواء بني عنده مسجد أم لم يبن، سواء كان قبر رجل صالح أو غير صالح، كل ذلك دلت الأدلة على تغليظ النهي عنه.

وقد بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتاب التوحيد في هذا الباب بثلاث تراجم:

الترجمة الأولى: ( باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين ) .

الترجمة الثانية: (باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده) .

الترجمة الثالثة: (باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله) .

وساق الشيخ -رحمه الله- تحت الترجمة الأولى حديث البخاري في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قول الله تعالى: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عبدت ثم ساق تعليق ابن القيم -رحمه الله- على هذا الحديث، فقال: قال ابن القيم قال غير واحد من السلف لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.

قلت: وفي هذا الحديث دليل على أن هؤلاء وقعوا في الشرك وعبادة الصالحين، بسبب نصب الأنصاب في مجالسهم، وتصوير تماثيلهم، ثم عبدوهم لما طال عليهم الأمد، ونُسي العلم، وإن كانوا لم يبنوا مساجد عند قبورهم؛ ولذلك حذرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- من الغلو وغلظ النهي عنه، وبين أنه أهلك من كان قبلنا الغلوُ، في الحديث الذي ساقه المصنف في هذا الباب:"باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين"بعد حديث ابن عباس وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو

وساق الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- تحت الترجمة الثانية: (باب من عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده) ساق حديث عائشة في الصحيحين، قالت: لما نزل برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجدًا.

قال الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد: قوله: (يحذر ما صنعوا) إلخ الظاهر أن هذا من كلام عائشة ا هـ.

ثم ساق المؤلف -رحمه الله- مسلم عن جندب بن عبد الله قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك .

ثم قال المصنف الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بعد هذا الحديث: فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في هذا السياق - من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبنِ مسجدًا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه يسمى مسجدا، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ثم ساق حديث أحمد فقال: ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا: إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد ورواه أبو حاتم في صحيحه.

قلت: فتبين من كلام الشيخ -رحمه الله- على الحديث أن الصلاة عند القبور وإلى القبور من اتخاذها مساجد، الملعون فاعله، وإن لم يبنَ مسجد، وبين المصنف أن هذا هو معنى قول عائشة (خشي أن يُتخذ مسجدا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا؛ لما علموا من تشديد النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، وتغليظه ولعن فاعله، فكيف يبنون على قبره مسجدا؟! وإنما خشوا أن ذلك يعتاده بعض الجهال للصلاة عنده، من غير شعور من الصحابة بذلك؛ فلذلك دفنوه في بيته

قلت: ثم زاد المصنف ذلك إيضاحًا بقوله:(وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا .

قلت: فتبين بهذا أن اتخاذ القبور مساجد المغلظ في النهي عنه، الملعون فاعله، لا يشترط فيه أن يبنى مسجدها، بل الصلاة عندها وإليها والعكوف عندها من اتخاذ القبور مساجد.

وساق المصنف الشيخ محمد -رحمه الله- تحت الترجمة الثالثة - باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يُصَيّرها أوثانا تعبد من دون الله - ساق حديث مالك في الموطأ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .

قال الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله- أراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة أمورًا:

الأول: التحذير من الغلو في قبور الصالحين.

الثاني: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها.

الثالث: أنها إذا عبدت سميت أوثانا، ولو كانت قبورَ صالحين.

الرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها، واتخاذها مساجد)ا هـ، وقال أيضًا -رحمه الله- إلى قوله: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد هذه الجملة عدَّ الأولى تنبيه على سبب لحوق اللعن بهم، وهو توسلهم بذلك إلى أن تصير أوثانًا تُعبد، ففيه إشارة إلى ما ترجم له المصنف، وففيه تحريم البناء على القبور، وتحريم الصلاة عندها.

قلت: فظهر مما سبق أن اتخاذ القبور مساجد المغلظ في النهي عنه، يشمل العكوف عليها، والصلاة عندها وإليها، ودعاء الله وذكره عندها، والتعبد لله عندها، سواء بُني عندها أم لم يبنَ، كل هذا دلت عليه النصوص، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت