فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 77

الملحوظة الحادية والثلاثون

التفريق بين الابن وغيره في إهداء ثواب قراءة القرآن.

بحث الدكتور إهداء ثواب قراءة القرآن وفرق بين الابن وغيره، وقال: إن إهداء ثواب قراءة القرآن للميت طوعًا بغير أجرة لا يجوز؛ لأنه لا دليل عليه ولا فعله السلف إلا ابن الميت، فإنه يجوز الإهداء لأبيه.

قال الدكتور: في تهذيبه ص 187 (أما قراءة القرآن وإهداؤها للميت تطوعًا بغير القارئ ابنا للميت، فإنه يجوز في هذه الحالة لقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى النجم 38 - 39 وابن الإنسان من سعيه) ا هـ.

قلت: وقول الدكتور في التفريق بين الابن وغيره في إهداء ثواب قراءة القرآن، فيجوز للابن ولا يجوز لغيره قول لم يسبق إليه الدكتور فيما أعلم، فإن انتفاع الأموات بسعي الحياء فيه ثلاثة أقوال للناس:

أحدها: أن الميت لا ينتفع إلا بما تسبب به في حياته، وما لم يكن تسبب به في حياته، فهو منقطع عنه، واستدلوا بقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وقوله تعالى: وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ وقوله -عليه الصلاة والسلام-: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به فهذه الثلاث المستثناة في الحديث، وهي الصدقة الجارية، والعلم المنتفع به، والولد الصالح الذي يدعو له، مما تسبب به الميت في حياته، وهذا القول لبعض أهل البدع من أهل الكلام، وينسب ذلك إلى المعتزلة

الثاني: أن الميت ينتفع من سعي الحي بما تسبب به في حياته، وبدعاء المسلمين واستغفارهم له، وبالصدقة والحج، فقط على نزاع فيما يصل إليه من ثواب الحج، هل هو ثواب الحج، قال بالأول محمد بن الحسن الشيباني الصاحب الثاني لأبي حنيفة -رحمه الله-، وقال بالثاني عامة العلماء، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي ومالك -رحمهما الله تعالى-.

الثالث: أن الميت ينتفع من سعي الحي بما تسبب به في حياته وبدعاء المسلمين واستغفارهم له، وبالصدقة والحج وبالصوم وقراءة القرآن والذكر، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وجمهور السلف -رحمهم الله- .

هذه أقوال العلماء، والناس في انتفاع الميت بسعي الحي، وليس فيها تخصيص الابن دون غيره في إهداء ثواب قراءة القرآن، والجمهور الذين يقولون: ينتفع الميت بإهداء ثواب قراءة القرآن لم يخصصوا ابن الميت، بل هو عام في كل حي يهدي ثواب قراءة لميت، سواء كان ابنًا للميت أم لا، والذين يقولون لا ينتفع الميت بإهداء ثواب قراءة القرآن لم يستثنوا ابن الميت، بل قالوا بالمنع مطلقا، سواء كان المهدي ابنا للميت أم لا.

والذين قالوا: ينتفع الميت من سعي الحي بما تسبب به في حياته من أهل الكلام من المبتدعة، ومثلوا لذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به لم يقولوا: إن الميت ينتفع بإهداء ابنه له ثواب قراءة القرآن، بل يقتصرون على الدعاء الذي قُيِّدَ في الحديث في قوله: أو ولد صالح يدعو له فينتفع الميت بدعاء ولده الصالح فقط.

ومن هنا: يتبين أن التفريق بين ابن الميت وغيره في إهداء ثواب قراءة القرآن، قول لم يسبق إليه، والله الموفق.

والصواب في هذه المسألة: أن الميت ينتفع من سعي الحي بما تسبب في حياته، وبدعاء المسلمين واستغفارهم له، وبالصدقة والحج وبالصيام، فمن مات وعليه صيام من رمضان، إذا لم يقضه بعد تمكنه منه، أو كان عليه صوم نذر أو كفارة، وذلك لورود النصوص الدالة على ذلك المعروفة في محلها، ولا يصلى على الميت صلاة فرض أو تطوع، ولا يصام عنه صوم نفل، ولا يهدي له ثواب قراءة القرآن أو ذكر أو طواف؛ وذلك لعدم ورود شيء من النصوص يدل على ذلك؛ ولأن هذا لم يفعله السلف ولم يكن معروفًا عندهم مع شدة حرصهم على الخير، ولا أرشدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه ، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام، فلو كان ثواب القراءة والذكر والطواف والصلاة وصوم النفل يصل، لأرشدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه، ولكانوا يفعلونه.

والواجب الوقوف مع النصوص، والسير على منهج السلف الصالح الذين نوَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- بخيريتهم وفضلهم بقوله: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران راوي الحديث: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثًا والله الموفق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت