إيراد شبهة لأهل البدع والشك والحيرة بصيغة سؤال مسلم به، والخطأ في الإجابة عنه.
أورد الدكتور في تهذيبه شبهة لأهل البدع والشك والحيرة بصيغة سؤال مسلم به، ثم أجاب عنه بجوابين، قال عن أحدهما: إنه محاولة للإجابة بغير الطريق الصحيح، وقال عن الثاني: إنه الجواب الصحيح. فقال في ص 133 - 136 تحت عنوان: ( القدر وعدل الله سبحانه وتعالى ) إذا كان الله هو الذي خلق المعاصي والذنوب، فأين العدل في تعذيبه خلقه؟ محاولين الإجابة عن هذا السؤال بغير الطريق الصحيح، شذّ بعض الناس فقالوا:
1 -إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، لا الله سبحانه وتعالى، فليس هناك منه ظلم.
2 -ذهب آخرون إلى أنه ليس هناك جواب عن هذا السؤال والبحث فيه لا يجوز.
3 -وذهب آخرون إلى أن الله فعلا يعذب الناس على أمور يجبرهم عليها. والحقيقة أن هذه الأجوبة لا أساس لها من الصحة، والجواب الصحيح، ولفصل القول في المسألة السابقة أجوبة صحيحة هي:
1 )أن الله يفعل ما يشاء، وهو على كل شيء قدير، وهو على الظلم قدير، فالظلم ليس خارجًا عن قدرة الله، لكن الذي دل عليه القرآن تنزيه الله نفسه عن الظلم... إلخ.
2 )ليس ما كان من الناس ظلمًا وقبيحًا يكون من الله ظلمًا وقبيحًا، إذ لا يجوز تمثيل بخلقه وقياسه عليهم، إذ إن الله تعالى مهما فعل بعباده فلا يكون ظالما لهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم حديث صحيح... إلخ.
3 )إن ما يبتلى به الإنسان من الذنوب، وإن كان الله خلقها، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة بعدها... إلخ.
4 )ولكن إذا كان امتلاء القلب بالإخلاص لله هو أساس الهدى، أفلا يكون منع الله بعض الناس منه ظلمًا؟ الجواب طبعًا بالنفي؛ لأن تصرف المالك في ملكه بما شاء ليس ظلما، وإنما هو العدل، لا يسأل عما يفعل، وإنما يكون الظلم بما يلي:
أ- أن يجزى الإنسان بغير عمله.
ب - أن توضع عليه سيئات غيره.
ت - أن يمنع من حقه، وأن ينقص من حسناته إلخ.
5 )إن الله تعالى لا يوصف بإجبار العباد على أفعالهم... إلخ.
6 )إن الهدى فضل من الله ومنة، وليس حقًّا للعباد على الله، فهو يتفضل على بعضهم، ولا يتفضل على بعض آخر... إلخ. ا هـ كلام الدكتور.
أقول: هذا السؤال والجواب الذي أورده الدكتور في تهذيبه يناقَش من وجوه:
أحدهما: أنه أورد هذه الشبه بصيغة سؤال، كأنها قضية مسلمة لا على أنها شبهة يوردها أهل البدع، كما أوردها شارح الطحاوية في ص 497 فقال: (وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم، بل مزقتهم كل ممزق، وهي أنهم قالوا: كيف يستقيم الحكم على قولكم: بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم، وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه، وفاعله فيهم؟ ) ا هـ.
الوجه الثاني: قول الدكتور في الجواب الأول: محاولين الإجابة عن هذا السؤال بغير الطريق الصحيح تعبير غير سليم، إذ قد يقال له: لماذا تحاول الإجابة بغير الطريق الصحيح، بل حاول الإجابة بالجواب الصحيح، وقصد الدكتور أن يذكر ما أجيب به عن هذا السؤال من أهل الفرق الأخرى، لكن ينبغي أن يعبر بما يدل على المقصود، فيقول مثلا: أجيب عن هذا السؤال بأجوبة غير صحيحة، كما قال شارح الطحاوية ص 497 سطر 9:"وهذا السؤال لم يزل مطروقًا في العالم على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته، وعنه تفرقت بهم الطرق"ا هـ.
الوجه الثالث: أن الجواب الثاني الذي أجاب به الدكتور عن الشبهة أو السؤال مكون من ست فقرات، خلط فيها الدكتور بين مذهب الجبرية ومذهب أهل السنة وبيان ذلك كما يلي:
1 )الفقرة الأولى من الجواب وهي قوله: (إن الله يفعل ما يشاء، وهو على كل شيء قدير) ينبغي أن يضاف إلى ذلك، أن الله يفعل ما يشاء، وفق ما تقتضيه حكمته ورحمته لا مجرد مشيئته، كما يقول الجبرية وقول الدكتور: (وهو على الظلم قدير، فالظلم ليس خارجًا عن قدرة الله، لكن الذي دل عليه القرآن تنزيه الله نفسه عن الظلم) هذا كلام حق، وهو معتقد أهل الحق، خلافًا للجبرية القائلين: غير مقدور لله؛ لأنه عبارة عن المحال لذاته الذي لا يمكن وجوده، كالجمع بين الضدين.
2 )الفقرة الثانية من الجواب وهي: (ليس ما كان من الناس ظلما وقبيحا يكون من الناس ظلما وقبيحا، إذ لا يجوز تمثيل الله بخلقه وقياسه عليهم) . فيه رد على القدرية والمعتزلة القائلين بأن ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا يكون من الله ظلما وقبيحا، فإنهم مثلوا الله بخلقه وقاسوه عليهم.
وقول الدكتور: (إذ إن الله تعالى مهما فعل بعبادة فلا يكون ظالمًا، قال -صلى الله عليه وسلم-: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم. الحديث) . ينبغي أن يقيد بأن الله مهما فعل بعباده لا يكون ظالما؛ لأنه سبحانه حكم عدل لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه، ويقتضيه العدل والحكمة والمصلحة، ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة، ويضعها في موضعها لما له في ذلك من الحكمة، ولا يعاقب أهل البر والتقوى، وليس ذلك لأن كل ممكن فليس بظلم كما تقوله الجبرية حتى لو عذب رسله وأنبياءه وأولياءه أبد الآبدين، وأبطل جميع حسناتهم وحمّلهم أوزار غيرهم، وعاقبهم عليها، لكان ذلك عدلًا مَحْضًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وأما استلال الدكتور بالحديث: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم الحديث. ) فإنه استدلال بما استدلت به الجبرية، فهم يقولون: لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم؛ لأنه يفعل بمشيئته وقدرته، بدون حكمته، ويتصرف في ملكه بما يشاء، والظلم منه سبحانه ممتنع لا يتصور وجوده؛ لأن الظلم (إما التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإما مخالفة الآمر) ، وكلاهما في حق الله تعالى محال، ولو تصور وجوده وقدر وجوده فهو عدل، كائنًا ما كان. فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وهذا قول جهم ومن اتبعه.
وأما: أهل الحق فيقولون: معنى الحديث: لو أن الله حاسب عباده على نعمه الماضية، وعلى أعمالهم الصالحة لوجدهم مدينين له، فإذا ما عذبهم على ذلك عذبهم وهو غير ظالم لهم، فلو وضع عدله على أهل سماواته وأرضه، لعذبهم بعدله، ولم يكن ظالمًا، لكنه سبحانه لم يفعل ذلك، ولم يحاسبهم، بل بدأ بعهد آخر، فجعل الطاعات بدءًا لنعم جديدة.
3 )الفقرة الثالثة من الجواب، وهي قوله: (أن ما يبتلى به الإنسان من الذنوب وإن كان الله خلقها، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها) هذا كلام حق، فإن الذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضًا، فإن سبحانه خلق الإنسان لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا فإذا لم يفعل ما خلق له، وفطر عليه من محبة الله وعبوديته والإنابة إليه، عوقب على ذلك بتزيين الشيطان له الشرك والمعاصي، ثم يعاقب على الذنب بذنب آخر، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها.
4 )الفقرة الرابعة من الجواب، وهي قوله: (ولكن إذا كان امتلاء القلب بالإخلاص لله هو أساس الهدى، أفلا يكون منع الله بعض الناس منه ظلمًا؟ الجواب طبعا بالنفي؛ لأن تصرف المالك في ملكه بما يشاء ليس ظلمًا، وإنما هو العدل، لا يسأل عما يفعل) إلخ. هذه الفقرة من الجواب هي سؤال وجواب، ثم إن قول الدكتور: (لأن تصرف المالك في ملكه بما يشاء ليس ظلمًا، وإنما هو العدل لا يسأل عما يفعل) استدلال بما استدل به الجبرية كما سبق من أن الظلم، التصرف في ملك الغير بغير إذنه، أو مخالفة الآمر، وهذا باطل، فإن الرب حكيم يتصرف في ملكه بما يقتضيه العدل والحكمة والمصلحة.
والصواب: أن يقال في جواب هذا السؤال الذي أورده الدكتور هنا أن الله لا يكون ظالمًا بمنعهم من ذلك، وإنما يكون المانع ظالمًا إذا منع غيره حقا لذلك الغير عليه، وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه، وأوجب على نفسه خلافه، وإما منع غيره ما ليس بحق له لم يكن ظالمًا بمنعه، بل هو محض فضله ومنته عليه فمنع الحق ظلم، ومنع الفضل والإحسان عدل، وهو سبحانه العدل في منعه، كما هو المحسن المنان بعطائه.
5 )الفقرة الخامسة من الجواب، وهي قوله: (إن الله تعالى لا يوصف بإجبار العباد على أفعالهم) إلخ. هذا كلام حق؛ لأن الله تعالى جعل العبد فاعلًا مختارًا، والعبد فاعل لفعله حقيقة وله قدرة حقيقية، قال تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ولهذا أنكر السلف الجبر، فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز، والله تعالى لا يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار.
6 )الفقرة السادسة من الجواب، وهي قوله: (إن الهدى فضل من الله ومنة، وليس حقًّا للعباد على الله، فهو يتفضل على بعضهم، ولا يتفضل على بعضهم الآخر، وإن كان الأمر كذلك ألا يجب على الله المساواة بين الناس في الفضل؟ لقد تولى الله سبحانه وتعالى الجواب عن هذا السؤال بقوله: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ إلى قوله:( ثم إنه ليس الحكمة أن يطلع كل البشر على كمال حكمة الله في إعطائه ومنعه إلخ ) ا هـ.
كلام حق نقله الدكتور من شرح الطحاوية ، وحاصله أن الله سبحانه لم يسوِّ بين عباده في الفضل، لكمال علمه وحكمته بالمحل الذي يصلح للفضل والمحل الذي لا يصلح ولا يليق بالحكمة وضعه فيه، فالأول يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر الشكر، والثاني لا يصلح لغرسها، فغرسها لا يليق بالحكمة، كما قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وقال: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ وبهذه المناقشة لفقرات هذا الجواب يتميز مذهب أهل السنة من مذهب الجبرية وينجلي الحق من غبش الباطل، ولله الحمد والمنة. .