عدم التمييز بين مذهب جمهور أهل السنة ومذهب مرجئة الفقهاء في الكفر الذي لا يخرج من الملة، هل تسميته كفرا تسمية حقيقية، أم تسمية مجازية؟
بحث الدكتور الكفر الذي لا يخرج من الملة ولم يميز بين مذهب جمهور أهل السنة ومذهب مرجئة الفقهاء في تسميته كفرًا حقيقيًّا مجازيًّا، بل جمع بين المذهبين، وسماه بالاسمين، فقال في تهذيبه ص 172 سطر 9 - 19.
1-إن أهل السنة متفقون على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية.
2-إن لفظ الكفر الذي ورد في النصوص السابقة معناه:
أنه كفر عملي لا اعتقادي، فالكفر كالإيمان على مراتب كفر دون كفر.
"أنه كفر مجازي غير حقيقي"إذ الكفر الحقيقي: هو الذي ينقل عن الملة.
ثم ذكر الدكتور مثالًا نقله من شرح الطحاوية، وهو الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وقال: (فقد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرًا: إما مجازيا، وإما كفرًا أصغر، وذلك بحسب حال الحاكم. إلى قوله:(وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاصٍ، ويسمَّى كافرًا كفرا مجازيًّا، أو كفرًا أصغرَ ) ا هـ.
قلت: والدكتور بهذا سمى الكفر الذي لا ينقل عن الملة باسمين، سماه كفرًا حقيقيا، وهو كفر دون كفر، وسماه كفرا مجازيا غير حقيقي؛ لأنه لا ينقل عن الملة، إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة، فجمع في هذه التسمية بين مذهبي جمهور أهل السنة ومرجئة الفقهاء مع أن التسمية بأحد الاسمين ينافي التسمية بالاسم الآخر، فصار الدكتور بهذا متناقضًا يسمي الشيء باسمين، ينقض أحدهما الآخر.
والذي ينبغي للدكتور أن لا يجمع بين أمرين متنافيين - وإن كان ذلك في التسمية فقط - بل عليه أن يفصل ويميز بين المذهبين، ويختار المذهب الحق في التسمية، كما أوضح الخلاف في ذلك شارح الطحاوية قال -رحمه الله-: (ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا خلافا لفظيا، لا يترتب عليه فساد، وهو أنه هل يكون الكفر على مراتب، كفرًا دون كفر ؟ كما اختلفوا: هل يكون الإيمان على مراتب، إيمانا دون إيمان؟ وهل الاختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى الإيمان: هل هو قول وعمل يزيد وينقص، أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن ما سماه الله تعالى ورسوله كافرا نسميه كافرًا. إذ من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافرا - ولا يطلق عليهما اسم الكفر. ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: هو كفر عملي لا اعتقادي، والكفر عنده على مراتب، كفر دون كفر، كالإيمان عنده، ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان، قال: كفر مجازي غير حقيقي،(إذ الكفر هو الذي ينقل عن الملة، وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال إيمانًا، كقوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أي: صلاتكم في البيت المقدس أنها سميت مجازًا. لتوقف صحتها على الإيمان، أو لدلاتها على الإيمان ) ا هـ.
قلت: ومن بيان الخلاف في التسمية في هذه المسألة المثال الذي نقله الدكتور من شرح الطحاوية، وهو الحاكم بغير ما أنزل الله في واقعة مع علمه بذلك، مع اعتقاده وجوب الحكم بما أنزل الله، واعترافه بأنه مستحق للعقوبة. قال: (فهذا عاص ويسمى كافرًا كفرًا مجازيا أصغر ) ا هـ.
يعني يسمى كافرا كفرا مجازيا عند مرجئة الفقهاء ويسمى كافرا كفرا أصغر عند جمهور أهل السنة وبهذا تبيّن أن الدكتور جمع في تسميته للكفر الذي لا يخرج عن الملة بأنه كفر مجازي، وكفر دون كفر، بين مذهبين، وهما متنافيان.
والحق في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل السنة وهو أن الكفر الذي لا يخرج عن الملة يسمى كفرا حقيقيا، لكنه كفر دون كفر، وهو أولى مما ذهب إليه مرجئة الفقهاء من تسميته كفرا مجازيا لما يأتي:
1 -أن جمهور أهل السنة وافقوا الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى؛ لأن الله سبحانه سماه كافرا، وكذلك رسوله -صلى الله عليه وسلم- سماه كافرا، وهذه تسمية حقيقية؛ لأنها الأصل، ومرجئة الفقهاء وافقوا الكتاب والسنة في المعنى دون اللفظ، وموافقة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى، أولى من موافقتهما في المعنى فقط.