فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 77

الملحوظة العاشرة: عدم إيضاح معنى نفي العدوى في حديث أبي هريرة لا عدوى ولا طِيَرَة ولا هَامَةَ ولا صَفَرَ:

بحث الدكتور معنى نفي العدوى في قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة في الصحيحين: لا عدوى ولا طِيَرة ولا هامة ولا صَفَرَ ولكنه لم يوضح معنى نفي العدوى بما يحصل به المقصود والفائدة، فقال في اختصاره لكتاب التوحيد تحت عنوان: محرمات ينبغي تجنبها، ص 230 سطر 19 - 20: (وقد ورد نفي العدوى، وأنه لا يجوز الاعتقاد بها، وهي اعتقاد أن المرض بنفسه يتعدى، وإنما الله الذي يمرض وينزل الداء) ا هـ.

قلت: ينبغي أن يوضح معنى - نفى العدوى - في الحديث على ضوء ما دلت عليه النصوص، وقرره العلماء، فنقول في بيان ذلك وبالله التوفيق:

قال ابن الأثير الجزري في غريب الحديث: العدوى، اسم من الإعداء، كالدعوى والبقْوى من الادعاء والإبقاء، يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، إذا أصابه، مثل ما بصاحب الداء) ا هـ.

وقال غيره: العدوى، هو اسم من الإعداء، وهو من مجاوزة العلة من صاحبها إلا غيره، والمنفي سراية العلة أو إضافتها إلى العلة والأول هو الظاهر وحديث أبي هريرة هذا: لا عدوى ولا طِيَرة ولا هامة ولا صَفَرَ هو في الصحيحين وفي رواية لمسلم أن أبا هريرة كان يحدث بحديث:"لا عدوى"، ويحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا يورد ممرض على مصح وأمسك عن الحديث"لا عدوى"فراجعوه وقالوا: سمعناك تحدث به، فأبى أن يعترف به. قال أبو سلمة الراوي، عن أبي هريرة فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر.

وقد روى حديث"لا عدوى"جماعة من الصحابة، منهم أنس بن مالك وجابر بن عبد الله والسائب بن يزيد وابن عمر وغيرهم -رضي الله عنهم-، وفي بعض الروايات هذا الحديث: وفر من المجذوم فرارك من الأسد .

وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا، وخلاصة ذلك أن للعلماء في الجمع بين هذه النصوص أربعة أقوال:

الأول: ذهب طائفة من العلماء إلى العمل بأحاديث الاجتناب وترجيحها؛ لأنها أكثر، فالمصير إليها أولى، وردوا حديث"لا عدوى"بأن أبا هريرة رجع عنه، وهذا قول مرجوح، بل ضعيف؛ لأن حديث"لا عدوى"رواه جماعة من الصحابة كما سبق بيانه قريبًا.

الثاني: ذهب آخرون من أهل العلم إلى العمل بحديث"لا عدوى"وترجيحه، وأعلوا أحاديث الاجتناب بالشذوذ، كحديث: فر من المجذوم فرارك من الأسد أعلوه بأن عائشة أنكرته، كما روى ابن جرير عنها أن امرأة سألتها عنه، فقالت: ما قال ذلك، لكنه قال:"لا عدوى"، وقال: فمن أعدى الأول وهذا قول مرجوح أيضًا، فإن الأحاديث في الاجتناب ثابتة.

الثالث: ذهب طائفة من العلماء إلى حمل الإثبات والنفي على حالتين مختلفتين، فيحمل على حديث"لا عدوى"على من قوي يقينه وصح توكله، بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى، ويحمل حديث الإثبات على ضعيف الإيمان والتوكل، وهذا قول مرجوح أيضًا؛ لأنه يمكن حمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة، وسد الذريعة؛ لئلا يحدث للمخاطب شيء، فيظن أنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع.

الرابع: وهو أرجحها وأصحها، ما قاله البيهقي وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم. أن قوله الحديث:"لا عدوى"على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمور تعدي بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئة مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببًا لحدوث ذلك؛ ولهذا قال: فر من المجذوم فرارك من الأسد وقال: لا يورد ممرض على مصح وقال في الطاعون: من سمع به في أرض، فلا يقدم عليه وكل ذلك بتقدير الله تعالى، كما قال في الحديث: فمن أعدى الأول فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك كله بقضاء الله وقدره، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء وفي النار، مما جرت العادة أنه يهلك أو يضر، فكذلك اجتناب مقاربة المريض المجذوم، والقدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره.

قلت: وبهذا يتضح معنى نفي العدوى في حديث أبي هريرة لا عدوى ولا طِيَرَةَ الحديث. والجمع بينه وبين النصوص التي فيها الأمر بمجانبة من به شيء من الأمراض، وأنها متوافقة بحمد الله لا تعارض بينها، ولله الحمد والمنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت