فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 77

الملاحظة الحادية والعشرون

عدم التفريق بين (باء السببية) و (باء العوض والمقابلة) والخلط بينهما في الرد على الجبرية والمعتزلة

اشتبه على الدكتور في مناقشته للجبرية والمعتزلة الفرق بين (باء السببية) و (باء العوض والمقابلة) ولم يفرق بين (الباء) التي في النفي، و (الباء) التي في الإثبات.

قال الدكتور في تهذيبه ص128 سطر 9 - 12 في مناقشته للجبرية"أما المنفي في قوله -صلى الله عليه وسلم-: لن يدخل أحد الجنة بعمله فهو أن تكون الباء في ( بعمله ) للعوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، فهذا المعنى هو المرفوض، إذ أن الإنسان يدخل الجنة برحمة الله وفضله، إلا أنه مستحق لدخول الجنة على ربه بعمله"ا هـ.

أقول: ( الباء ) في الحديث للعوض والمقابلة، ولكنه سلط عليه النفي فكان العوض منفيا وليس المنفي - كما فهم الدكتور - أن تكون الباء للعوض، بل المنفي هو باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الجنة، كما ذهبت إليه المعتزلة فهذا المعنى هو المنفي، كما ذكر الدكتور، وليس المنفي كون الباء في الحديث للعوض.

وقول الدكتور: (إذ إن الإنسان يدخل الجنة برحمة الله وبفضله، لا أنه مستحق دخول الجنة على ربه بعمله) كلام حق لكن يضاف إليه أن دخول الجنة برحمة الله وفضله له سبب، وهو العمل الصالح، كما قال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وبهذا تجتمع الأدلة وتتفق، ولله الحمد والمنة، وهو معتقد أهل الحق من أهل السنة والجماعة، كما أشار الدكتور إلى ذلك في أول مناقشته للجبرية، وأن الباء في قوله تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ باء السببية.

وفي مناقشة الدكتور للمعتزلة نفى أن يكون الجزاء مرتبًا على الأعمال، ونفى أن تكون الباء التي في الحديث: لن يدخل الجنة أحد بعمله للعوض، فقال في تهذيبه ص 129 سطر 10 - 13: (إن الجزاء غير مرتب على الأعمال فقط، وإنما ذلك برحمة الله وفضله، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: لن يدخل الجنة أحد بعمله فالباء في(بعمله) ، ليست باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، والدليل على ذلك أنه عندما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل اهـ.

أقول: قول الدكتور (إن الجزاء غير مرتب على الأعمال فقط، وإنما ذلك برحمة الله وفضله) ، إطلاق غير صحيح، بل الجزاء مرتب على العمل، لكن ترتب المسبب على السبب لا ترتب المعوّض على العوض، وعليه فالتقييد بقوله (فقط) لا وجه له، ولكن دخول الجنة برحمة الله وفضله.

وقول الدكتور: (كما سئل -صلى الله عليه وسلم-: لن يدخل الجنة أحد بعمله فالباء في(بعمله) ليست باء العوض، غير صحيح، بل الباء في ( بعمله ) للعوض، لكنها منفية (بلن) والمعنى لن يدخل الجنة أحد عوض عن عمله، بل دخول الجنة برحمة الله وفضله بسبب العمل الصالح، كما قال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقال: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بسبب عملكم.

قال شارح الطحاوية ص 495 سطر 16 - 24 (وأما ترتيب الجزاء على الأعمال، فقد ضلت فيها الجبرية والقدرية وهدى الله أهل السنة، وله الحمد والمنة، فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات، فالمنفي في قوله -صلى الله عليه وسلم-: لن يدخل الجنة أحد بعمله باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمة الله وفضله،(والباء) التي في قوله تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وغيرها (باء) السبب، أي: بسبب عملكم، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته ) ا هـ.

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره على قوله: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال:(ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة، نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، أي: بسبب أعمالكم، نالتكم الرحمة، فدخلتم الجنة وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم، وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة. فقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ا هـ.

وقال الحافظ ابن كثير أيضًا على قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال: أي أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدًا عمله الجنة، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات)ا هـ. .

وقال القرطبي في تفسيره الجامع لإحكام القرآن، على قوله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (أي: ورثتم منازلكم بعملكم ودخولكم إياها برحمة الله وفضله) ، كما قال:"ذلك الفضل من الله"، وقال:"فسيدخلهم في رحمة منه وفضل". وفي صحيح مسلم لن يدخل أحد منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل إلى قوله: (وبالجملة: فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته، فإذا دخلوها بأعمالهم، فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته، إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم ) ا هـ.

قلت: وبهذه النقول عن العلماء يتضح ما سبق بيانه من الجمع بين الأدلة بالفرق بين باء السبب وباء العوض، والله الموفق والمسدد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت