فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 77

الملحوظة التاسعة عشرة

التناقض في تقرير شمول الإرادة الكونية ثم تخصيصها وتقرير الإرادة الدينية للمحبة والرضا والغضب. قرر الدكتور أن الإرادة الكونية شاملة لجميع الموجودات، ثم خصصها بما ليس للإنسان فيه اختيار، كما قرر أن الإرادة الدينية متضمنة لمحبة الله ورضاه وغضبه.

قال الدكتور في تهذيبه في ص122 - 123: ( إرادة الله نوعان) :

1-إرادة قدرية كونية خلقية (من الخلق ) ، وهي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات، التي تتعلق بأمور ليس للإنسان فيها اختيار، كخلق السماوات والأرض، والموت والحياة، وأمور مثل طول الإنسان وعمره ورزقه وأجله، فهذه هي الإرادة الشاملة لكل حركة أو سكون في السماوات والأرض، وهذه هي التي نقصدها حينما نقول: ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

2-إرادة دينية أمرية شرعية، وتشمل مطالب الله من العباد، أوامره ونواهيه، وهذه هي المتضمنة لمحبة الله ورضاه أو غضبه، فهذه الإرادة تتضمن الأمور التي منح الله فيها الإنسان حرية الاختيار، فهي متعلقة بأوامر الله ونواهيه التي جاءت بها الكتب السماوية، فالله أراد من الإنسان الطاعة، ولم يرد منه المعصية وأراد معناها: ( طلب ) ، بخلاف (الإرادة الأولى، إذ معناها:( خلق ) ، وهذه الإرادة بخلاف الإرادة الأولى، قد يخالفها الإنسان ويعصي الله فيها ). وقال الدكتور في ص24 من تهذيبه سطر 14: ( إن الله تعالى وإن كان يريد المعاصي قدرا، بمعنى الإرادة الكونية، أي خلقه للمعاصي، إلا أنه لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها ) إلخ. اهـ.

أقول: قول الدكتور عن الإرادة الكونية: ( وهي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات التي تتعلق بأمور ليس للإنسان فيها اختيار ) . كلام ينقض بعضه بعضًا، فإن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الإرادة الشاملة لجميع الموجودات ) يشمل ما للإنسان فيه اختيار، وما ليس للإنسان فيه اختيار، وقوله: (التي تتعلق بأمور ليس للإنسان فيها اختيار ) ، ينقض قوله: ( الشاملة لجميع الموجودات ) ويخصها ببعض الموجودات، وهي الأمور التي ليس للإنسان فيها اختيار، كما أن قوله بعد ذلك: (فهذه هي الإرادة الشاملة لكل حركة أو سكون في السماوات والأرض) ينقض هذا التخصيص، ويعمم شمول الإرادة لجميع الموجودات.

والصواب الذي عليه أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة أن الإرادة الكونية شاملة لجميع الموجودات، ما للإنسان فيه اختيار، وما ليس فيه اختيار، وأما الإرادة الدينية فإنها متضمنة لما يحبه الله ويرضاه. قال شارح العقيدة الطحاوية ص116: (والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية خلقية، وإرادة دينية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات ) ا هـ.

وقول الدكتور: (إن الإرادة الكونية معناها الخلق، فأراد بمعنى خلق ) ، وقوله: (إن الله تعالى وإن كان يريد المعاصي قدرًا(بمعنى الإرادة الكونية، أي خلقه للمعاصي) ، خلط منه بين مرتبتين، مراتب القضاء والقدر، وجعلهما مرتبة واحدة، وهذا خطأ، فإن مرتبة المشيئة والإرادة، غيرُ مرتبة الخلق والإيجاد؛ وذلك أن مراتب القدر، الأولى: علم الله بالأشياء قبل كونها، الثانية: كتابته لها، الثالثة: مشيئته لها، الرابعة: خلقه لها.

قال ابن القيم -رحمه الله- في شفاء العليل ص 29 الباب العاشر في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بالقضاء والقدر، وهي أربع مراتب:

المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.

المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها.

المرتبة الثالثة: مشيئته لها.

الرابعة: خلقه لها.

فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق، فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة، ثم قال عن المرتبة الثانية في ص39 ( وقد تقدم في أول الكتاب ما دل على ذلك من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة) .

ثم قال عن المرتبة الثالثة في ص 43 (وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم جميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان) . ثم قال عن المرتبة الرابعة في ص 49: (وهذا أمر متفق عليه بين الرسل -صلى الله تعالى عليهم وسلم- وعليه اتفقت الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار ) ا هـ.

وقول الدكتور: إن الإرادة الدينية هي المتضمنة لمحبة الله ورضاه أو غضبه غير صحيح، بل هي متضمنة للمحبة والرضا دون الغضب؛ لأن ما أراده الله من العبد دينًا وشرعًا فقد أحبه ورضيه، سواء تعلقت الإرادة الكونية بالفعل أو بالترك، فالله تعالى أحب من العباد فعل الأوامر، وأحب منهم ترك النواهي، وليست الإرادة الدينية متضمنة لغضب الله كما ذكر الدكتور، وليست الإرادة معناها الطلب كما قال الدكتور (وأراد هنا معناها طلب) ، بل إنها أمر شرعي متضمن للمحبة والرضا، وهذا قدر زائد على الطلب.

قال ابن القيم -رحمه الله- في شفاء العليل مبينًا الفرق بين الإرادتين، ومتعلق كل منهما قال:(فصل: وههنا أمر يجب التنبيه عليه، وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تعرض لمن لم يحط علمًا، وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر، وأمره سبحانه نوعان: أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي، فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني، وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكره، كله داخل تحت مشيئته، كما خلق إبليس وهو يبغضه، وخلق الشياطين والكفار، والأعيان والأفعال المسخوطة له، وهو يبغضها، فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله.

وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله، فما وجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعًا، فهو محبوب للرب واقع بمشيئته، كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني، ولم تتعلق به مشيئته، وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته، ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني، وما لم يوجد فيها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته، فلفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية، فتكون هي المشيئة، وإرادة دينية فتكون هي المحبة)ا هـ.

قلت: وما ذكره العلامة ابن القيم -رحمه الله- هنا في الفرق بين الإرادتين ومتعلق كل منها كلام جيد رصين، يزول به اللبس وينجلي به الغبش، ولله الحمد والمنة على ما ألهم وعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت