ادعاء أن الجبرية يعتقدون أن الإنسان مسير.
ادعى الدكتور وقرر أن الجبرية يعتقدون أن الإنسان مسير، فقال في كتابه ص 13 سطر 6، 7:"الجبرية وضع أصول مذهبهم الجهم بن صفوان وقد غالى هؤلاء في إثبات القدر، واعتقدوا أن الإنسان مسير تمامًا لا اختيار له، ولا فعل له، بل كل شيء مفروض عليه من الله، وهذا غير صحيح؛ إذ لو صح ذلك لكان الله ظالمًا -تعالى الله عن ذلك-"ا هـ.
قلت: الجبرية لا يعتقدون أن الإنسان مسيّر، بل يعتقدون أن الإنسان مجبور على أفعاله، ولهذا سموا بالجبرية ويعتقدون أن أفعاله كلها اضطررية، كحركات المرتعش وحركات الأشجار، والفاعل هو الله، وإضافتها إلى الإنسان مجازًا.
قال شارح الطحاوية ص 493:"اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية، فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان السمرقندي أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وكلها اضطرارية كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار وإضافتها إلى الخلق مجازًا، وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله، دون ما يضاف إلى محصلة. إلى قوله:"فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد أصلًا"ا هـ."
قلت: أما كون الإنسان مسيَّرًا، فهذا حق يعتقده أهل الحق، فالله تعالى هو الذي يسير الإنسان، ولا ينافي ذلك أن يكون للعبد اختيار ومشيئة، لكن اختياره ومشيئته تابعة لمشيئة الله، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فأخبر الله تعالى أنه هو الذي يسير العباد في البر والبحر. وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فأخبر الله تعالى أن للعباد مشيئة تابعة لمشيئة الله تعالى، وقال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ فلولا أن للعباد قدرة واختيار ومشيئة، لما أمرهم الله بالسير في الأرض، وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وقال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ فأثبت الله تعالى للعباد مشيئته.
وقول الدكتور في حكايته لمذهب الجبرية"واعتقدوا أن الإنسان مسير تماما لا اختيار له ولا فعل له". جمع بين حق وباطل، فإن القول بأن الإنسان مسير حقٌّ، والقول بأنه لا اختيار له ولا فعل له باطلٌ، فإن أفعال العباد تصدر منهم وتنسب إليهم، فيكونون بها مطيعين وعصاة، والله تعالى خالق العباد وخالق أفعالهم كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ هذا الحق الذي يعتقده أهل السنة والجماعة.
قال شارح الطحاوية في ص 277:"والذي عليه أهل السنة والجماعة أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ا هـ. وقال -رحمه الله- في ص 493:"وقال أهل الحق: أفعال العباد صاروا بها مطيعين وعصاة ، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق سبحانه وتعالى منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه"ا هـ."
وقول الدكتور في رد الجبرية بعد أن بين أنهم يعتقدون أن كل شيء مفروض على الإنسان من الله، قال: وهذا غير صحيح، إذ لو صح ذلك لكان الله ظالما تعالى عن ذلك"."
أقول: وهذا التفسير للظلم من الدكتور يوافق قول القدرية القائلين: بأن كل ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا، فإنه يكون من الله ظلما وقبيحا، وهذا فيه تمثيل لله بخلقه وقياس الخالق على المخلوق، والحق الذي عليه أهل السنة أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن ينقص أحدًا من حسناته، أو توضع عليه سيئات غيره، أو يعذب أحدا بغير ما اكتسب وبغير جرمه.
قال شارح الطحاوية -رحمه الله- في ص 507:"الذي دل عليه القرآن تنزيه نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولا وسطا بين قولي القدرية والجبرية فليس ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا يكون منه ظلما وقبيحا، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم، فإن ذلك تمثيل لله بخلقه، وقياس له عليهم! هو الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون. إلى قوله في ص 508:"وأيضًا فإن قوله: فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا قد فسره السلف بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ا هـ.
قلت: فتبين بهذا أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومنع منه ذي الحق من حقه، والله سبحانه حكمٌ عدل، لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل والحكمة والمصلحة، وهو سبحانه لا يفرق بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين، ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة ويضعها موضعها؛ لما في ذلك من الحكمة، ولا يعاقب أهل البر والتقوى، والظلم ممكن، ولكن الله نزه نفسه عنه وحرمه على نفسه، وهذا هو الصواب الذي يدل عليه القرآن والسنة ولغة العرب.