فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 77

الملحوظة السابعة: عدم إيضاح الفرق بين الطِّيَرة والفأل:

بحث الدكتور الطِّيرة والفأل، ولكنه لم يوضح الفرق بينهما توضيحًا يحصل به المقصود، ويتضح به معنى كل منهما، فقال في اختصاره لكتاب التوحيد، تحت عنوان: من أسباب الشرك ومظاهره ص 228 سطر 3 - 6: (ويجب أن يعلم أن الطِّيَرة خلاف الفأل الذي كان يحبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالطِّيرة لا تكون إلا فيما يسوء، أما الفأل فيكون فيما يسر، مثل أن يكون رجل مريضًا فيتفاءل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول: يا سالم، والفأل الذي كان يحبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الذي فيه نوع بشارة، فيُسر به العبد، ولا يعتمد عليه، بخلاف ما يمضيه أو يرده، فإن للقلب فيه نوع اعتماد، وهذا فرق واضح بين الطِّيرة والفأل) اهـ.

أقول: لم يوضح الدكتور الفرق بين الطِّيرة والفأل، كما أن تقييده للفأل الذي يحبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالذي فيه بشارة لا وجه له؛ لأن هذا هو وصف الفأل يكون فيه نوع بشارة، والذي يظهر لي أن الفرق بين الطِّيرة والفأل من وجوه ثلاثة:

الأول: من جهة حقيقة كل منهما.

الثاني: من جهة حكم كل منهما.

الثالث: من جهة الحكمة في كل منهما.

الوجه الأول: الفرق بين الطِّيرة والفأل من جهة حقيقة كل منهما، فالطِّيرة

أولا حقيقتها: التشاؤم بما يُرى أو يُسمع من الطيور وغيرها، كما كان أهل الجاهلية يتشاءمون بالطيور، وكما كان آل فرعون إذا أصابتهم سيئة من بلاء وضيق وقحط يطَّيَّروا بموسى ومن معه، فالطِّيرة تستعمل فيما يسوء في الغالب، وربما استعملت فيما يسر، كما كان أهل الجاهلية يتمنون بالطيور إذا طار يمنة. أما الفأل فإنه يستعمل فيما يسر ويسوء.

وثانيا: أن المتطير يعتمد على ما يسمعه أو يراه حتى يمنعه مما يريد من حاجته؛ ولهذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- حد الطِّيرة المنهي عنها في حديث الفضل بن عباس الذي رواه أحمد إنما الطِّيرة ما أمضاك أو ردك .

فذكر حد الطِّيرة المنهي عنها بأنها ما يحمل الإنسان على المضي في شيء، أو يمنعه ويرده من المضي فيه. أما التفاؤل فإنه لا يعتمد عليه ولا يمضي من أجله مع نسيان التوكل على الله، فإن فعل كان ذلك من الطِّيرة، وكذلك إذا رأى أو سمع ما يكره فتشاءم به، ورده عن حاجته، كان ذلك من الطِّيرة .

الوجه الثاني: الفرق بين الطيرة والفأل من جهة الحكم، فالطيرة محرمة وهي من الشرك، لحديث ابن مسعود الذي ساقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في باب ما جاء في الطيرة من كتاب التوحيد، وهو قوله عليه السلام: الطيرة شرك، الطِّيَرة شرك فالطيرة باب من الشرك مناف للتوحيد أو لكماله.

أما الفأل: فإنه يعجب النبي -صلى الله عليه وسلم- ويحبه، وليس فيه من الشرك، وقد أوضح الفرق بين الطيرة والفأل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي ساقه الشيخ محمد -رحمه الله- في باب ما جاء في التطَيُّر من كتاب التوحيد فقال:

ولأبي داود بسند صحيح عن عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أحسنها ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الفأل من الطيرة، لما فيه من ميل القلب، وليس منها في الذم، لما فيه من النفع؛ ولأن الفأل يعرض للإنسان بسماع أو رؤية شيء من غير قصد لذلك.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد: قال ابن القيم أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الفأل من الطيرة، وهو خيرها، فأبطل الطيرة، وأخبر أن الفأل خير منها، ففصَل بين الفأل والطيرة، لما بينهما من الامتياز والتضاد، ونفع أحدهما ومضرة الآخر، ونظير هذا منعه من الرقي بالشرك، وإذنه في الرقية إذا لم يكن فيها شرك، لما فيه من المنفعة الخالية من المفسدة) ا هـ.

الوجه الثالث: الفرق بين الفأل والطِّيَرة من جهة الحكمة في تحريم الطيرة دون الفأل: الطيرة من إلقاء الشيطان ووسوسته وتخويفه، وهي منافية للتوكل على الله، والطيرة من سوء الظن بالله، وتوقع البلاء؛ ولأنها يتعلق بها القلب خوفًا وطمعًا فيرجع عما كان عازمًا على المضي فيه بسبب الطيرة أو لا يرجع، ولكن يبقى في قلبه من القلق والخوف والوساوس والهموم ما يكون منافيا للطمأنينة، وانشراح الصدر، والتوكل على الله.

أما الفأل: ففيه تأميل فائدة الله، ورجاء عائده عند كل سبب ضعيف أو قوي، فيكون على خير، لما في ذلك من حسن ظن بالله على كل حال، ولو غلظ المتفائل في وجه الرجاء، فإن الرجاء له خير، وفي الفأل إبانة عن مقتضى الطبيعة، والفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها"ولأن الفأل فيه نوع من بشارة، فيُسَرُّ به العبد، ولا يعتمد عليه، بخلاف ما يمضيه أو يرده، فإن للقلب فيه نوع اعتماد."

وقال الحليمي إنما كان (يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن الظن بالله، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال. .

وقال ابن القيم -رحمه الله-: ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، ومن واجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، وكان يحب الحلوى والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان، ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمال وخير وما يفضي إليهما.

قلت: فظهر من هذا أن الفأل لا يخل بعقيدة الإنسان، ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله، بل فيه من المصلحة حصول النشاط والسرور، وتقوية النفوس على المطالب النافعة.

والطِّيَرة تؤثر على إيمان الإنسان وتخل بتوحيده وتوكله وعقله، وفيه من تعليق القلب بذلك المكروه، وفيها من ضعف القلب ووهنه وخوفه من المخلوقين، وانقطاع قلبه من تعليقه بالله ما لا يخفى، وبهذا يتبين الفرق واضحًا بين حقيقة كل من الطيرة والفأل، وحكم كل منهما، مع بيان الحكمة في ذلك والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت