فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 77

الملحوظة الخامسة: عدم البيان والتوضيح لمعنى عبادة الأحبار والرهبان:

بحث الدكتور معنى عبادة الأحبار والرُّهبان ولكنه أجمل في ذلك وأشار إليه إشارة، ولم يبين ذلك جليًّا.

فقال في اختصاره لكتاب التوحيد، تحت عنوان: من أسباب الشرك ومظاهره ص 226 سطر 14 - 15: (وأما عبادة الأحبار، فهي اتباعهم فيما يحلون ويحرمون، وقد أدى هذا بالناس للتحاكم إلى غير الله) ا هـ.

قلت: هكذا أجمل الدكتور، ولم يفصل، ولم يقيد الاتباع في التحليل والتحريم باعتقاد حل ذلك، والمقام يحتاج إلى بيان وإيضاح وتفصيل لأهمية هذه المسألة، وذلك أن اتباع الأحبار والرهبان وطاعتهم لا تكون عبادة لهم إلا بالاتباع الخاص والطاعة الخاصة، وهو الطاعة والاتباع في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، بأن يعتقد المطيع والمتبع لهم حل ذلك. كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ .

وقد فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية في الحديث الصحيح لعدي بن حاتم لما جاء والنبي -صلى الله عليه وسلم- يتلو هذه الآية، فقال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم، فقال: أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه، قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم .

قلت: ففي هذا الحديث بيان من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن طاعة العلماء والعباد واتباعهم في تحليل أو تحريم الحلال عبادة لهم؛ وذلك لأن التحريم والتحليل من خصائص الربوبية، فالرب تعالى هو المشرع، وهو المحلل، قال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ أما طاعتهم فيما أمروا به من معصية الله من دون اعتقاد حلها، فلا يكون شرك ولا عبادة لهم، بل يكون معصية لله، كما لو أطاعهم في شرب الخمر، أو في أخذ مال إنسان مع علمه واعتقاده بأنه حرام، لكن أطاعه خوفًا منه أو رجاء له في حصول دنيا، كعطية أو وظيفة، فيكون عاصيًا وفاسقًا وكفره أصغر، ولا يكون كفرًا أكبر؛ لذا ينبغي للدكتور أن يقيد الاتباع والطاعة بالطاعة الخاصة، وهي طاعتهم واتباعهم في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، أي: اعتقاد حِلِّ ذلك.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: (لما كانت الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، فإنها طاعة الله بامتثال ما أمر على ألسنة رسله -عليهم السلام- نبه المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة على وجه اختصاص الخالق -تبارك وتعالى- بها، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، وإلا فلا تجب طاعة أحد من الخلق استقلالًا، والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه لا ينطق عن الهوى، فهو مشرك، كما بينه الله تعالى في قوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أي: علمائهم أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وفسرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بطاعتهم في تحريم الحلال، وتحليل الحرام، كما سيأتي في حديث عدي ) ا هـ كلامه -رحمه الله-.

قلت: وبهذا يتبين أنه لا بد من الإيضاح والبيان لهذه المسألة، وتقييد الطاعة والاتباع بالطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، حتى تكون عبادةً للمطاع واتخاذًا له ربًّا من دون الله، يُشَرِّع ويُحَلِّل ويُحَرِّم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت