فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 77

الملحوظة الثامنة والعشرون

نفي قول معروف للسلف دلّ عليه النص، وهو الشهادة بالجنة لمن شهد له المؤمنون.

بحث الدكتور موضوع الشهادة بالجنة للمعيّن من أهل القبلة وذكر قولين للسلف ونفى القول الثالث مع أنه قول معروف للسلف واستدل له بدليل من السنة يشهد له عموم آية كريمة، فقال الدكتور في تهذيبه ص 173 (والشهادة بالجنة صحيحة في حالتين) :

1-أن يشهد بالجنة للأنبياء

2-أن يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، كالشهادة بالجنة لمن بشرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة من الصحابة أما أن يشهد بالجنة لمن شهد له المؤمنون، فهذا لا يجزم به. وقد ورد في الصحيحين: أنه مر بجنازة، فأثنوا عليها بخير، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: وجبت، ومرَّ بأخرى، فأُثني عليها بشرّ، فقال: وجبت وفي رواية، كرر وجبت ثلاث. فقال عمر: يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال رسول الله: هذا أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض حديث صحيح) اهـ.

ثم قال الدكتور في الحاشية تعليقا على الحديث: (إن هذا الحديث ليس دليلًا على أنه يشهد بالجنة لمن شهد له المؤمنون؛ لأن في ذلك ذمة المؤمنين، والمؤمنون في شهادتهم ليسوا سواء، والناس أهل عواطف، فلا محاكمة منطقية عند الكثير منهم، أما الحديث الآنف الذكر، فالمقصود منه الصحابة ومن هم في حكمهم) ا هـ.

أقول: هكذا نفى الدكتور القولَ الثالث في هذه المسألة، وهو الشهادة بالجنة لمن شهد له المؤمنون، وهو قول معروف للسلف قال به بعض العلماء، وإن كان مرجوحًا إلا أنه قول معروف عند العلماء، استدل له بهذا الحديث الذي ذكره الدكتور، وهو في الصحيحين. وقول الدكتور: (إن هذا الحديث ليس دليلا على أنه يشهد بالجنة لمن شهد له المؤمنون) ليس بصحيح، بل هو دليل لمن استدل به على ذلك.

وقول الدكتور: (أما الحديث الآنف الذكر، فالمقصود منه الصحابة ومن هم في حكمهم) هذا قول قال به بعض الشراح، وبعض العلماء، والأرجح أنه ليس خاصا بهم، بل هو عام في أهل الفضل والثقات والمتقين، إذا شهدوا لمن اشتهر بالخير كما كان أبو ثور يشهد للإمام أحمد بالجنة.

قال شارح الطحاوية: ص426 - 427"وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:"

أحدهما: أنه لا يشهد لأحد إلا للأنبياء وهذا ينقل عن محمد ابن الحنفية والأوزاعي

والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث

والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء، ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين: أنه مر بجنازة، فأثنوا عليها بخير، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: وجبت. ومرَّ بأخرى فأثني عليها بشر، فقال: وجبت. وفي رواية كرر"وجبت"ثلاث مرات. فقال عمر: يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هذا أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض وقال -صلى الله عليه وسلم-: توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار. قالوا: بِمَ يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن، والثناء السيئ فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة من أهل النار"ا هـ. من شرح الطحاوية."

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري على الحديث: أنتم شهداء الله في الأرض وحديث: أيما مسلم شهد له أربعة بخير، أدخله الله الجنة. فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد قال: . (قوله: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة) فيه بيان لأن المراد بقوله"وجبت"، أي: الجنة لذي الخير، والنار لذي الشر، والمراد بالوجوب الثبوت، إذ هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل، وفي رواية مسلم من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ونحوه للإسماعيلي من طريق عمر بن مرزوق عن شعبة وهو أبين في العموم، ومن رواية آدم وفيه رد على من زعم أن ذلك خاص بالميتين المذكورين لغيب أطلع الله نبيه عليه، وإنما هو خبر عن حكم أعلمه الله به، قوله: أنتم شهداء الله في الأرض أي: المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة ؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم. قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين ا هـ.

وسيأتي في الشهادات بلفظ: المؤمنون شهداء الله في الأرض ولأبي داود من حديث أبي هريرة في نحو هذه القصة: إن بعضكم على بعض لشهيد إلى أن قال في ص 231:(وكذا قوله: أنتم شهداء الله في الأرض لأن الإضافة فيه للتشريف؛ لأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية للأمة بعد أداء شهادتهم، وينبغي أن يكون لها أثر. قال: أي الطيبي وإلى هذا يومئ قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا الآية.

قلت: وقد استشهد محمد بن كعب القرظي بما ورد عن جابر نحو حديث أنس بهذه الآية، أخرجه الحاكم )ا هـ. كلام الحافظ في الفتح.

وقال النووي في شرح صحيح مسلم على حديث أنس بن مالك مرَّ بجنازة فأُثني عليها خيرًا وفي آخره: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت عليه النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض قال -رحمه الله-:"وفي الحديث استحباب توكيد الكلام المهم، بتكراره ليحفظ؛ وليكون أبلغ، وأما معناه ففيه قولان للعلماء، أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، فكان ثناؤهم مطابقًا لأفعالهم، فيكون من أهل الجنة، فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادا بالحديث، والثاني وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه، وأن كل مسلم ألهم الله تعالى الناسَ أو معظمهم الثناء عليه، كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وإن لم تكن أفعاله تقتضيه، فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه سبحانه وتعالى قد شاء له المغفرة. وبهذا تظهر فائدة الثناء عليه. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: وجبت وأنتم شهداء الله ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- له فائدة) ا هـ المقصود من كلام النووي"

أقول: وبهذا يظهر أن ما نفاه الدكتور وهو الشهادة بالجنة لمن شهد له المؤمنون، ونفي دلالة الحديث عليه، قول معروف للسلف قال بعض العلماء، وهو أنه يشهد بالجنة لمن شهد له الأخيار والمؤمنون، وإن كان الجمهور من العلماء على أنه لا يشهد بالجنة لأحد بعينه إلا لمن شهد له الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما أنه لا يشهد لأحد بالنار بعينه إلا لمن شهدت له النصوص، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت