عدم التفصيل في الميت الذي عليه صيام، والجزم بأن من قال بالإطعام عنه دون صيام، فهو مخالف للحديث.
بحث الدكتور انتفاع الأموات بسعي الأحياء وذكر أن من المتفق عليه أن الميت ينتفع بالصوم وثوابه يصل للميت، وأن من قال بالإطعام عنه دون الصيام، فقد خالف الحديث: من مات وعليه صيام، صام عنه وليه .
قال الدكتور في تهذيبه ص 186 - 187 من المتفق عليه أن الأموات ينتفعون من سعي الحياء بأمرين:
1-ما تسبب به الميت في حياته، كعبادته وأعماله الصالحة.
2 -دعاء المسلمين واستغفارهم للميت، والصدقة والحج عنهم على النحو التالي:
أ- الحج والثواب للمحجوج عنه.
ب - الصدقة عن الميت.
ت - الصوم وثوابه يصل للميت، أما من قال بالإطعام دون الصيام عنه، فإن ذلك خلاف الحديث من مات وعليه صيام، صام عنه وليه صحيح ا هـ.
قلت: هكذا جزم الدكتور بأن ثواب الصيام يصل للميت بإطلاق، مع أن هذا إنما ورد فيمن مات وعليه صيام لا في صوم النفل، كما أنه جزم بأن من قال بالإطعام عن الميت الذي عليه صيام فهو مخالف لحديث: من مات وعليه صيام صام عنه وليه مع أن المسألة فيها تفصيل للعلماء، وجمهور العلماء يقولون بالإطعام عنه دون الصيام، وتأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه، وإن كان هذا التأويل ضعيفًا كما سيأتي في كلام النووي -رحمه الله- على الحديث.
قال شارح الطحاوية ص 512 (واستدل المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة في الحياة، كالدعاء والصدقة والحج دون التي لا تدخلها النيابة بحال كالإسلام والصلاة والصوم وقراءة القرآن، وأنه يختص ثوابها بفاعله لا يتعداها، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره، بما روى النسائي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًّا من حنطة ا هـ. .
وقال أيضًا -رحمه الله- ص 513 - 514 (وأما وصول ثواب الصوم، ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول -صلى الله عليه وسلم- قال: من مات وعليه صيام، صام عنه وليه وله نظائر في الصحيح، ولكن أبو حنيفة -رحمه الله- قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه، لحديث ابن عباس المتقدم والكلام على ذلك معروف في الفروع) ا هـ.
قلت: ويجمع بين حديثي عائشة وابن عباس -رضي الله عنهم- بحمل حديث عائشة من مات وعليه صيام، صام عنه وليه وهو في الصحيحين على العموم لمن مات وعليه صيام، سواء كان صيام الفرد، وهو قضاء أو صيام النذر أو صيام الكفارة، فإنه يصوم عنه وليُّه إن تيسر، وليس ذلك بواجب على الولي، إذ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى كما قال تعالى. فإن لم يتيسر أن يصام عنه أطعم عنه، عن كل يوم مسكينًا نصف صاع من طعام أو غيره، كما قال ابن عباس وعائشة -رضي الله عنهما-.
وأما حديث ابن عباس"لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدًّا من حنطة"فهو موقوف لا يصح رفعه كما سبق الكلام عليه في الحاشية قريبًا، فيحمل على النفل والتطوع، فلا يصام عنه، وكذلك الصلاة فردًا أو تطوعا، لا يصلي أحد عن أحد قال النووي -رحمه الله- في شرح صحيح مسلم ج 8 ص 25 - 26: (اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب، من رمضان، أو قضاء، أو نذر أو غيره، هل يقضي عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران، أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلًا، والثاني يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا، الجامعون بين الفقه والحديث، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة.
وأما الحديث الوارد: من مات وعليه صيام، أطعم عنه فليس بثابت، ولو ثبتت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يحمل على جواز الأمرين، فإن من يقول بالصيام يجوز عند الإطعام، فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام وتجويز الإطعام، والولي مخير بينهما، والمراد بالولي، القريب، سواء كان عُصبة أو وارثًا أو غيرهما، وقيل المراد: الوارث، وقيل: العصبة، والصحيح الأول. ولو صام عنه أجنبي، إن كان بإذن الولي صح، وإلا فلا في الأصح، ولا يجب على الولي الصوم عنه، لكن يستحب. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة.
وممن قال به من السلف طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وبه قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد في صوم النذر، دون رمضان وغيره، وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن الميت لا نذر ولا غيره، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وعائشة ورواية عن الحسن والزهري وبه قال مالك وأبو حنيفة قال القاضي عياض وغيره: هو قول الجمهور، وتأولوا الحديث، على أنه يطعم عنه وليه، وهذا تأويل ضعيف بل باطل، وأيّ ضرورة إليه؟ وأيّ مانع يمنع من العمل بظاهره مع تظاهر الأحاديث، مع عدم المعارض لها؟ قال القاضي وأصحابنا: (وأجمعوا على أنه لا يصلي عنه صلاة فائتة، وعلى أنه لا يصام عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في الميت، والله أعلم ) ا هـ.
كلام النووي -رحمه الله- وهو كلام جيد رصين، مبني على الجمع بين الآثار والعمل بها.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (قوله: باب من مات وعليه صوم) أي: هل يشرع قضاؤه أم لا؟ وإذا شرع هل يختص بصيام دون صيام، أو يعم كل صيام؟ وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام؟ وهل يختص الولي بذلك أو يصح منه ومن غيره؟ والخلاف في ذلك مشهور للعلماء كما سنبينه ) ا هـ.
قلت: وبهذا يتبين أنه ينبغي التفصيل في هذه المسألة، وأن قول الدكتور: من قال بالإطعام دون الصيام عنه ذلك خلاف الحديث، ليس على إطلاقه، والله الموفق، لا إله غيره، ولا رب سواه.