فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 77

الملحوظة الخامسة والعشرون

دعوى أن لفظ الإيمان يقابله لفظ التصديق كما يقابل لفظ الكفر التكذيب:

ادعى الدكتور في أثناء كلامه عن الإسلام والإيمان والإحسان أن لفظ الإيمان يقابله لفظ التصديق، وأن لفظ الكفر يقابله لفظ التكذيب.

قال الدكتور في تهذيبه ص156 سطر 5: (إن لفظ الإيمان يقابله لفظ التصديق، كما يقابل لفظ الكفر التكذيب، غير أن الكفر لا يختص بالتكذيب.

بل لو قال أحدهم: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا اتبعك، بل أعاديك وأخالفك، لكان كفرا أعظم، فعلم أن الإيمان ليس التصديق فقط، ولا الكفر التكذيب فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبًا، ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب، فكذلك الإيمان يكون تصديقًا وموافقة وموالاة وانقيادًا، ولا يكفي مجرد التصديق ا هـ.

قلت: هذا الكلام نقله الدكتور من شرح الطحاوية، ولكنه تصرف في نقله بالزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، فوقع في الخطأ. فإن شارح العقيدة الطحاوية نفى مقابلة لفظ الإيمان بالتكذيب، كما يقابل لفظ التصديق، وإنما يقابل لفظ الإيمان بالكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب.

وهذا البحث أتى به شارح الطحاوية ردًّا على استدلال أصحاب أبي حنيفة على أن الإيمان هو التصديق بالقلب، مستدلين بأدلة منها:

1-أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، كما قال تعالى إخبارا عن إخوة يوسف وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا أي: بمصدق لنا. ومنهم من ادّعى إجماع أهل اللغة على ذلك، قالوا: وهذا المعنى اللغوي -وهو التصديق بالقلب- هو واجب على العبد حقًّا لله تعالى، ويصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ما جاء به من عند الله. قالوا: فمن صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ما جاء به من عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى، وأما الإقرار، فهو شرط إجراء أحكام الإسلام في الدنيا على أحد القولين.

2-أن التصديق ضد الكفر وهو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب، فكذا ما يضادهما، وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ يدل على أن القلب موضع الإيمان لا اللسان، ولهم أدلة أخرى رد عليهم شارح الطحاوية بالأمور التالية:

1-منع الترادف بين التصديق والإيمان، ولو سلم الترادف بينهما في موضع فلا يسلم على الإطلاق.

2-لم يقابل لفظ الإيمان قطُّ بالتكذيب، كما يقابل لفظ التصديق، وإنما يقابل بالكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل قد يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب، فكذلك الإيمان لا يكفي فيه مجرد التصديق، بل لا بد من الموافقة والموالاة والانقياد.

3-التصديق لا يختص بالقلب، بل يكون التصديق بالأفعال أيضًا، كما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع - إلى أن قال: والفرج يصدق ذلك أو يكذبه وقال الحسن البصري -رحمه الله-: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في الصدور وصدقته الأعمال.

4-التصديق الذي هو الإيمان في الشرع ليس هو المعنى اللغوي الذي هو التصديق بالقلب، بل هو تصديق مخصوص، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل أمرنا بإيمان خاص وصفة بينّة، كما أن الصلاة في الشرع ليست هي الصلاة في اللغة، بل هي عبادة مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.

5-التصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإنها من لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. وهذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه تارة.

6-التصديق اللغوي زاد فيه الشارع أحكامًا، فنقله من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي، واستعمله فيه، فصار حقيقة شرعية وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيّرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة، كما يستعمل نظائرها، كقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ فذكر حجًّا خاصًّا وهو حج البيت، وكذلك قوله: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فلم يكن لفظ الحج متناوِلًا لكل قصد، بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة) ا هـ

قلت: وبهذا يتبين الفرق بين لفظ الإيمان ولفظ التصديق، وأن لفظ الإيمان لا يقابل بالتصديق، وإنما يقابل بالكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب. والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت