فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 77

خاتمة في العلم والإرادة ومكانها من السعادة

لما كان هُدَى الله وعهده إلى عباده، هو السبب الموصل إليه، مَنْ تمسك به اهتدى ونجا وسعد، ومن أعرض عنه ضل وهلك وشقى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى وهذا العهد والهدى والصراط المستقيم لا يصل أحد إليه إلا من باب العلم والإرادة، علم يبصره ويهديه، وإرادة تنهض به وترقيه، وبفواتها أو فوات أحدهما يفوت الفلاح والسعادة، إذ بفوات العلم يحل الجهل، وبفوات الإرادة يتخلف العمل بالعلم.

لما كان كذلك آثرت أن يكون هذا القسم مقالا للإمام ابن القيم -رحمه الله- في العلم والإرادة، ومكانهما من السعادة، أحببت أن يكون مسك الختام لهذا القسم؛ لما أراه من عظيم فائدة: قال -رحمه الله-:

"فصل"والمقصود أن الله سبحانه لما اقتضت حكمته إخراج آدم وذريته من الجنة، أعاضهم أفضل منها، وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعله سببًا موصلا لهم إليه، وطريقا واضحا بيِّن الدلالة عليه، من تمسك به فاز واهتدى، ومن أعرض عنه شقي وغوى، ولما كان العهد الكريم والصراط المستقيم والنبأ العظيم لا يوصل إليه أبدًا إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة باب الوصول إليه، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه.

وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين، همةٌ ترقيه، وعلم يبصره ويهديه، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما، إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالما بها، لا تنهض همته إليها، فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودًا منكوسًا، قد أسام نفسه مع الأنعام، راعيًا مع الهمل، واستطاب لعيقات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل، لا كمن رفع له فشمّر إليه، وبورك له في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه، قد أبت علبات شوقه إلا لهجرة لله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله.

ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرف العلم تابع لشرف معلومه، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها، ولا حياة له إلا بها، أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يَبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى، والحظ الأوفى، إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيًا، أقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطة بينه وبين الأنام، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه وتعالى أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحد منهم سعيًا إلا أن يكون مبتدأً منه، ومنتهيًا إليه.

فالطرق كلها إلا طريقه -صلى الله عليه وسلم- مسدودة، والقلوب بأسرها إلا قلوب أتباعه المنقادة إليه عن الله محبوسة مصدودة. فحق على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا عن الله واعيًا أن يجعل على هذين الأصلين مدار أقواله وأعماله، وأن يصيرهما أخبيته التي إليها مفزعه في حياته، وطاء له، فلا جرم إن كان وضع هذا الكتاب مؤسسًا على هاتين القاعدتين، ومقصودة التعريف بشرف هذين الأصلين ) ا هـ. كلامه -رحمه الله-.

وبهذا ينتهي القسم الأول من دراسة الكتاب: حوار مع القيسي في تهذيبه لشرح العقيدة الطحاوية، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت