زعمه وادعاؤه أن الفرق المبتدعة التي ظهرت في القرون الأولى قد باد معظمها وأنه لا وجود للمعتزلة ولا الجهمية
ادعى الدكتور أن الفرق المبتدعة التي ظهرت في القرون الأولى قد باد معظمها، وأنه لا وجود للمعتزلة ولا الجهمية وأن الفائدة من دراسة أفكار هذه الفرق شيئان، أحدهما: معرفة الأشياء بأضدادها، والثاني الاحتياط من اعتقاد ما اعتقدوه من دون قصد.
قال الدكتور: في حاشية ص 12 من كتابه:"ينبغي أن يلاحظ أن الفرق الإسلامية التي برزت إلى حيز الوجود في القرون الأولى، قد باد معظمها، فلا يصح تشبيه الإسلام بالأديان الأخرى التي انقسم أهلها على أنفسهم انقسامًا ما زال مستمرًا بازدياد إلى الآن، فأين المعتزلة ؟! وأين غيرهم؟! غير أن دراسة أفكار هذه الفرق، قد يكون لها بعض الفائدة من وجهين:"
أ- من باب معرفة الأشياء بأضدادها، إذا بموازنتها مع اعتقاد أهل السنة والجماعة يتضح لنا صحة ودقة اعتقادنا، ومدى مطابقته للقرآن والسنة.
ب - من باب الاحتياط حتى لا نعتقد ما اعتقدوه دون قصد، فهو من باب:
عرفت الشر لا للشر
ولكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر
من الخير يقع فيه ا هـ.
أقول: هكذا زعم الدكتور أنه لا وجود للمعتزلة ولا الجهمية وأنه قد باد معظم الفرق، وأن الإسلام لم ينقسم أهله كما انقسم أهل الأديان الأخرى، وهذا الزعم غير صحيح، فإن هذه الفرق موجودة الآن، المعتزلة والجهمية والأشاعرة وغيرهم من الفرق موجودون في القديم والحديث، منتشرون في كثير من البلدان التي تنتسب إلى الإسلام، ومؤلفاتهم وكتبهم موجودة ومنتشرة، وهذا أمر معروف لدى طلبة العلم.
وقول الدكتور: إن الإسلام لم ينقسم أهله كما انقسم أهل الأديان الأخرى، غير صحيح؛ لأنه يعارض الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن هذه الأمة تفترق في دينها، كما افترق أهل الأديان قبلهم في دينهم، بل إن هذه الأمة تزيد على اليهود والنصارى في الافتراق بفرقة واحدة.
ففي الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة - يعني الأهواء- كلها في النار، إلا واحدة، وهي الجماعة وفي رواية قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي .
وفي الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم-، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي فبين -صلى الله عليه وسلم- أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا أهل السنة والجماعة
وثبت في السنن الحديثُ الذي صححه الترمذي عن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من يعش بعده يرى اختلافًا كثيرًا، وأوصى بلزوم سنته، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
فكيف يقول الدكتور: لا يصح تشبيه الإسلام بالأديان الأخرى التي انقسم أهلها على أنفسهم انقسامًا ما زال بازدياد إلى الآن.
أقول: بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن هذه الأمة تحذو حذو الأمم السابقة، وتتبع طريقتهم وسنتهم، كما في حديث أبي سعيد الذي أخرجه الشيخان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قال: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! وفي حديث آخر: لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعا بذراع .
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كتاب الإيمان وكتاب الرد على الجهمية وهو من علماء القرن السابع، وقد ألف ابن القيم -رحمه الله- كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية في غزو المعطلة والجهمية والنونية الشهيرة بالشافية الكافية في الرد على الجهمية وغيرهم من أهل البدع، وهو من علماء القرن الثامن، كما ألف الذهبي كتاب العلو في إثبات صفة العلو، والرد على المنكرين، وهو من علماء القرن الثامن، وقد وردت أسئلة من عمان في القضاء والقدر والاستواء على العرش صدرت من جهمي إلى العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة 1258هـ، فهو من علماء القرن الثالث عشر.
أبعد هذا يقول الدكتور: إن الفرق المبتدعة التي ظهرت في القرون الأولى قد باد معظمها، وأنه لا وجود للمعتزلة ولا الجهمية سبحان الله ما أعظم شأنه !