جعله مسألة مأثورة تكلم فيها السلف والصحابة من البدع. بحث الدكتور مسألة: المفاضلة بين الملائكة والبشر وجعلها من البدع، وقال إنه لم يرد بها نص، ولم يتكلم فيها السلف والأئمة بعدهم.
قال الدكتور: في تهذيبه ص101 سطر 7 - 10 قال:"أما هذه المسألة، فلم يرد بها نص."
3 -هذه المسألة من البدع التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من الأئمة الأعلام، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير من المقاصد، وقد توقف أبو حنيفة في الجواب عنها؛ ولذا فمن الأفضل السكوت عن الكلام فيها"ا هـ."
قلت: والدكتور في هذه المسألة قلّد شارح الطحاوية، وتبعه فيما ذهب إليه فيها، وأنه نقل عن الشيخ تاج الدين الفزاري في مصنف سماه:"الإشارة في البشارة"، في تفضيل البشر على الملك، قال في آخره:"اعلم أن هذه المسألة من بدع علم الكلام التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلام الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير من المقاصد؛ ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع من الكلام فيها جماعة من الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه، لم يخل كلامه عن ضعف واضطراب"ا هـ.
قلت: والصواب في هذه المسألة ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو: أن هذه المسألة ليست من البدع، وأنها مأثورة تكلم فيها السلف والصحابة وأن صالحي البشر أفضل من الملائكة ونصر شيخ الإسلام هذا القول واستدل له، ورد جميع الاعتراضات التي أوردت على أدلتهم.
قال -رحمه الله-:"وكنت أحسب أن القول فيها محدث، حتى رأيتها سلفية صحابية، فانبعثت الهمة إلى تحقيق القول منها، فقلنا حينئذ بما قاله السلف فروى أبو يعلى الموصلي في كتابه التفسير المشهور له عن عبد الله بن سلام وكان عالما بالكتاب الأول والكتاب الثاني، إذ كان كتابيًّا، وقد شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بحسن الخاتمة، ووصية معاذ عند موته، وأنه أحد العلماء الأربعة الذين يبتغي العلم عندهم، قال: ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد -صلى الله عليه وسلم-، الحديث عنه. قلت: ولا جبريل ولا ميكائيل ؟ قال: يا ابن أخي، أوتدري ما جبريل وميكائيل ؟ إنما جبريل وميكائيل خلق مسخر، مثل الشمس والقمر، وما خلق الله تعالى خلقا أكرم من محمد -صلى الله عليه وسلم-."
وروى عبد الله في التفسير وغيره، عن معمر بن يزيد بن أسلم أنه قال:"يا ربنا جعلت لبني آدم الدنيا، يأكلون فيها ويشربون، فاجعل لنا الآخرة، فقال: وعزتي، لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له كن فكان"ا هـ.
ثم ذكر أدلة أخرى لهذا القول، ورد الاعتراضات التي أوردت عليها، ثم قال -رحمه الله-:"وأقل ما في هذه الآثار أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد في ذلك، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها وتفرق الآراء، فقد كان ذلك كالمستقر عندهم"ا هـ.
قلت: وبهذا يتضح أن هذه المسألة ليست من البدع، كما قرره الدكتور في تهذيبه، تبعًا لشارح الطحاوية في تقريره أن هذه المسألة قليلة الثمرة، وأنها قريب مما لا يعني، و من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وأن الأدلة من الجانبين متكافئة؛ لذا فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيا وإثباتا أولى بل إن هذه المسألة مأثورة عن السلف والصحابة والله الموفق والمسدد.