فقال في اختصاره لكتاب التوحيد، تحت عنوان: من أسباب الشرك ومظاهره ص 228 - 229 (ومن الشرك الرقية والكيّ، وتركهما من تحقيق التوحيد، أما الرقى فتسمى العزائم، وخصّ منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين العين والحمة، فإذا تضمن الكلام الحق، فإنه ليس من المنهي عنه، أما المنهي عنه في الكي فهو الاعتقاد أن الشفاء فيه، كما كان عليه أهل الجاهلية) ا هـ.
أقول: هكذا حكم الدكتور على الكي بأنه من الشرك، وأن تركه من تحقيق التوحيد، ثم قيد ذلك في آخر كلامه، بأن المنهي عنه هو اعتقاد الشفاء فيه كما كان عليه أهل الجاهلية، والحكم على الكي بأنه من الشرك خطأ اعتقادي وعلمي، إذ لا دليل يدل على أن الكي من الشرك، بل الكيّ جائز في نفسه، وجاءت النصوص بجوازه في صحيح البخاري وغيره، وذكر ابن القيم -رحمه الله- أن أحاديث الكي أربعة أنواع ولا تعارض بينها.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله- (أما الكيّ في نفسه فجائز، كما في الصحيح عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بعث إلى أبيّ بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه وفي صحيح البخاري عن أنس: أنه كوي من ذات الجنب، والنبي -صلى الله عليه وسلم- حي وروى الترمذي وغيره عن أنس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كوى سعد بن زرارة من الشوكة(مرض) وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعًا: الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى عن الكي وفي لفظ: وما أحب أن أكتوي .
قال ابن القيم -رحمه الله-: فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها فعله، الثاني: عدم محبته له، الثالث: الثناء على من تركه، الرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينهما بحمد الله، فإن فِعْلَه له يدل على جوازه، وعدم محبته له يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركيه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهية) ا هـ.
قلت: فتبين بهذا أن الكي ليس حرامًا، وليس من الشرك كما قال الدكتور، بل هو جائز، وقول الدكتور: (أما النهي عنه في الكي، فهو الاعتقاد أن الشفاء فيه كما كان عليه أهل الجاهلية) قلت: إن اعتقد أن الشفاء فيه بمعنى أن الله جعل فيه الشفاء، فهذا اعتقاد صحيح، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أثبت أن الشفاء فيه كما سبق في حديث ابن عباس الذي مَرَّ آنفا: الشفاء في ثلاث: شربة عسل الحديث.
وإن اعتقد أن الكيّ يشفي بنفسه وذاته، فهو يؤثر بذاته من دون الله، فهذا لا يعتقده مسلم؛ لأن هذا من الشرك في الربوبية.
وقول الدكتور: (كما كان عليه أهل الجاهلية) لا أدري هل أهل الجاهلية يعتقدون أن الكي يشفي بنفسه أم لا؟ فهذا يحتاج إلى دليل.
أما الرقى: التي تسمى العزائم، فقد خص فيها الدليل ما خلا من الشرك، ورخص فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- من العين والحمة كما ذكر الدكتور، ولكن لم يقصر الشارع الرخصة في الرقية - الخالية من الشرك - على العين والحمة كما هو ظاهر كلام الدكتور، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص أيضًا في الرقية - إذا خلت من الشرك - في غير العين والحمة، كما في حديث بريدة بن الحصيب الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وساقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتاب التوحيد في باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وهو: لا رقية إلا من عين أو حمة فهذا فيه الرخصة في الرقية من العين والحمة، وفي غيرهما جاءت نصوص منها: ما في صحيح مسلم عن عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول …الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم لا بأس بالرقي ما لم تكن فيه شرك .
وفي صحيح مسلم عن أنس -رضي الله عنه- قال: رخّص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الرقية من العين والحمة والنملة .
وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- مرفوعًا: لا رقية إلا من عين، أو حمة، أو ورم رواه أبو داود.
قال الخطابي وكان -عليه السلام- قد رَقَى، ورُقِيَ، وأمر بها وأجازها، ما إذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى، فهي مباحة أو مأمور بها) ا هـ .
قلت: وهذه الأحاديث التي جاءت في الرخصة في الرقية في غير العين والحمة لا تعارض حديث: لا رقية إلا من عين أو حمة ؛ لأن معنى الحديث: لا رقية أشفى وأولى من الرقية في العين والحمة .
قلت: ولكن من تحقيق التوحيد وتدقيقه وتخليصه وتصفيته وتنقيته ترك الاسترقاء والكيّ، فقد جاء في حديث ابن عباس الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما - وساقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتاب التوحيد في باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، جاء في وصف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون فهم لا يسترقون ولا يكتوون، والمعنى أنهم لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، ولا يسألون غيرهم أن يكويهم، استسلامًا للقضاء وتلذذًا بالبلاء .
قلت: فاتضح مما سبق حكم كل من الكيّ والرقية، وأن الكي جائز وتركه أولى وأن الرقية الممنوعة ما كان فيها شرك، وأما الرقية الخالية من الشرك، فإنها مباحة أو مأمور بها، والله الموفق لا إله غيره، ولا رب سواه.