واستعداد فهل يكلف الإمام المثرين والموسرين أن يبذلوا ما يستعدون به؟ هذا موقع النظر ومجال الفكر. ذهب ذاهبون إلى أنه لا يكلفهم ذلك بل يرتقب في توجيه العساكر ما يحصل من الأموال.
والذي أختاره قاطعًا به أن الإمام يكلف الأغنياء من بذل فضلات الأموال ما تحصل به الكفاية والغَنَاء، فإن إقامة الجهاد فرض على العباد، وتوجيه الأجناد على أقصى الإمكان والاجتهاد في البلاد محتوم لا تساهل فيه ... وإذا كنا لا نسّوغ تعطيل شيء من فروض الكفايات، فأحرى فنونها بالمراعاةِ الغزواتُ ...
وقد أجرينا فيما تقدم أن الدنيا تبع الدين، وأن صاحبنا بعث لتأسيس الدين ... فمن عظائم الأمور ترك الأجناد وتعطيل الجهاد، وانحصار العساكر في الثغور.
فإن قيل: قد ذكرتم أنه تمتد يد الإمام إلى أموال الموسرين عند الهمِّ بتجهيز الأجناد إلى الجهاد، فما قولكم فيه إذا كان مع المرتزقة كفايتهم وعدتهم في إقامتهم ونهضتهم، ومرابطتهم وغزوتهم، في أوانها وإبانها، ولكن خلا بيت المال أو كاد أن يخلو، وخاف الإمام غائلة هائلة من خلو بيت المال عند كرة الكفار، أو دبرة على المجاهدين؟ فقد تقدم القول النافع الواقع في وجوب الاستظهار بالذخائر، وتنزيل إعداد المال منزلة إعداد الرجال، ولو وهت كفاية الرجال امتدت يد الإمام إلى الأموال" [1] ."
وكان الإمام الجويني -رحمه الله- قد ذكر قبل القسم الثالث حالات أشد منه نذكرها عند الحديث عن واقعنا إن شاء الله تعالى.
ويتضح من كلام هذين الإمامين العظيمين أهمية جهاد الكفاية عندهم، وكلماتهم العظيمة في النظر إلى المقاصد الشرعية الحقيقية -لا المتوهمة- ثم بناء الأحكام عليها، ومن فَقِه الأصول فلن يقول: -في مثل كلمة الشاطبي- كلام العلماء يحتج له ولا يحتج به، بل والله يحتج به عندما يكون قواعد أصولية، وكلمته هي:"فالذين يحذرون من الدواهي لو انقطع عنهم الشوكة، يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها"، اقرأها في سياقها أكثر من مرة وستعلم حينها هل يصح على هذا الأساس قول من يقول بعدم توزيع الغنيمة في واقعنا اشتغالًا بصرفها في الجهاد بعد هذه الدواهي التي حلت بأهل الإسلام أم لا؟!
وبعد؛ فغايتي من الإكثار في النقل عن العلماء التعرف على فقههم ونفسيتهم، ومدى حرصهم على الدين بالجهاد في سبيل الله.
(1) غياث الأمم في التياث الظلم (1/ 261 - 263) .