الواقع، وانفرط عقد الأمة، ولم يعد مفهوم الأمة السياسي قائمًا، وتبع ذلك أيضًا غياب دولة الإسلام ومفهومها، ودار الإسلام ومفهومها، ولم يبق هناك بيت مالٍ للمسلمين واندثر هذا المفهوم أيضًا.
ولم تعد المسألة مسألة دفعٍ لعدوٍ صائلٍ دهم بلدًا أو أكثر من بلاد الإسلام مع بقاء غيرها، بل لم تبق دولة إسلام واحدة ولا دار إسلام ولا سلطان ولا إمام ولا بيت مال للمسلمين تجهز منه الغزوات، وتقاسم الكفار الأصليون والمرتدون ديار المسلمين.
وصار الهمُّ الأول للمجاهدين فضلًا عن دفع الصائل عن دين وعرض ونفس ومال المستضعفين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، صار همهم الأول هو الجهاد لإعادة إحياء تلك المفاهيم في أرض الواقع (دار الإسلام .. دولة الإسلام .. بيت المال .. ) إحياؤها من خلال إعادة إيجادها حقيقةً وواقعًا، وهذا لا يتحقق إلا من خلال السيطرة على بقعةٍ جغرافية تتناسب وإعادة تحقيق تلك المفاهيم، ويكون فيها نوع استقرار يناسب أن نطلق عليها دولة الإسلام ودار الإسلام التي لها بيت مالها القائم، وله موارده وصادراته ولو لم ينتظم تمامًا.
وقد جرب المسلمون إقامة هذه الدولة وهي الإمارة الإسلامية في أفغانستان لسنوات حيث صارت أفغانستان دار الإسلام الجديدة -أو مركز دار الإسلام- وقبل أن تستقر الأمور هاجمها الكفار وأسقطوها.
فلا بد أولًا من إيجاد ذلك المركز، وتبعًا لإيجاده واستقراره يتم إعادة تشكيل بيت المال الذي يمارس نشاطه وعمله مجددًا، حيث تأتيه الموارد من الغنائم والفيء والخراج والعشور والصدقات وغيرها، ثم يقوم بتوزيعها عبر الصادر في الاتجاهات المناسبة بحسب مصلحة الأمة، وعلى رأسها تجهيز الغزوات من أجل متابعة جهاد الدفع لاسترداد بقية بلاد المسلمين، بعد إيجاد المركز والبقعة التي يصح تسميتها بدار الإسلام ودولته، ثم تُضَمُّ البلاد الجديدة إلى تلك الدار، ولا شك أن دار الإسلام ستتعرض لبعض الهزات كما حصل يوم الأحزاب.
ولعل هذا المعنى الذي نشير إليه هو ما قصده الشيخ أبو مصعب السوري -فك الله أسره- عندما أشار إلى أن الطالبان بما فيهم من علماء، وهم ملتزمون بالمذهب الحنفي وحريصون على تطبيقه ومتعطشون لتطبيق حكم الله في الغنائم وغيرها، ولذلك فإنهم كانوا قد قرروا أنهم سيبدأون بتوزيع الغنائم عندما ينتقل الجهاد خارج أفغانستان.