بالأحكام المنظمة له، فهناك غنائم وهناك محاربون، وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، هم يتطوعون للجهاد، وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة، وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذي لا يجدون ما ينفقون، ثم هم يغنمون من المعركة غنائم يغنمونها بصبرهم وثباتهم وبلائهم في الجهاد [1] .
ولقد خلص الله نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحيك من شأن هذه الغنائم فردَّ ملكيتها ابتداءً لله ورسوله، وهكذا لم يعد من بأسٍ في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم، وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم الله ورسوله، فيلبي هذا الإعطاء حاجاتهم الواقعية ومشاعرهم البشرية [2] ، دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه والتنازع فيه بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة.
إنه منهج الله الذي يعلم طبيعة البشر ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر، وفي الوقت ذاته يتقي فساد الضمائر وفساد المجتمع من أجل تلك المغانم {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وبين الروايات المأثورة والآراء الفقهية خلاف طويل .. أولًا: حول مدلول الغنائم ومدلول الأنفال هل هما شيء واحد أم هما شيئان مختلفان، وثانيًا: حول هذا الخمس الذي يتبقى بعد الأخماس الأربعة التي منحها الله للمقاتلين كيف يقسم ..."، ثم ذكر ست مسائل وقال بعدها:"وخلافات فرعية أخرى"."
ثم قال:"ونحن -على طريقتنا في هذه الظلال- لا ندخل في هذه التفريعات الفقهية التي يحسن أن تطلب في مباحثها الخاصة .. هذا بصفة عامة .. وبصفة خاصة فإن موضوع الغنائم بجملته ليس واقعًا إسلاميًّا يواجهنا اليوم أصلًا فنحن اليوم لسنا أمام قضيةٍ واقعة، لسنا أمام دولةٍ مسلمة وإمامة مسلمة وأمة مسلمة تجاهد في سبيل الله ثم تقع لها غنائم تحتاج إلى التصرف فيها ..."
ولقد عاد هذا الدين أدراجه ليدعو الناس من جديد إلى الدخول فيه، إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إلى إفراد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية والسلطان، والتلقي في هذا الشأن عن رسول الله
(1) إذن هم يستحقون الغنائم لكونهم متطوعة، يجاهدون بأموالهم وأنفسهم، يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة، وقد يجهزون غيرهم، ويبلون بلاءً حسنًا في المعركة ويصبرون ويثبتون، ولهذا كان لهم نصيب الأربعة الأخماس.
(2) هذا يجب أن تأخذه الجماعة المجاهدة بالحسبان حتى في ظل واقعنا -حيث جهاد الدفع لا يسمح بتوزيع الغنيمة-، أي أن نسدد ونقارب في مراعاة الحاجة الواقعية والمشاعر البشرية للمجاهدين بما لا يؤثر على مصلحة الجهاد، ولنعلم أن من أهم مصالح الجهاد كفاية المجاهدين، وإن لم نكفهم للعجز عن ذلك فنسدد ونقارب، ونتقي الله ما استطعنا.