فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 209

إن أحكام فقه التمكين تختلف عن أحكام فقه ما قبل التمكين، وإن الأخذ بأحكام فقه التمكين، وهي الأحكام الغائية، في مرحلة ما قبل التمكين التي تحتاج إلى الأحكام الجزئية والمرحلية التي تتناسب مع القدرة الشرعية التي تبلغها الجماعة أو الأمة، هذا الأخذ بالغائي في حالة المرحلي يفسد الوصول إلى التمكين، ومن هذه الأحكام مسألة الغنائم، فنحن لا نشك في وجوب تقسيم الغنيمة على القاعدة القرآنية {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ... } الآية، وهو ما عليه جمهور العلماء، حتى نقل عليه الإجماع غير واحدٍ -وإن كانت دعوى الإجماع غير مسلّمة-، غير أنه في الحال والواقع الذي قصده العلماء وتكلموا عنه هو الحق الذي لا مرية فيه، وليست مشكلتنا هنا، وإنما المشكلة في عدم استيعاب أوجه الخلاف الجوهرية بين حالة تطبيق هذه الآية - {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ... } - في جهاد الفتح زمن التمكين، وحالة تطبيقها في زمن غياب الدولة والتمكين حيث الجهاد جهاد دفع فضلًا عن الفرق بين التطوع والارتزاق، والغالب في الجماعات الجهادية المعاصرة أنها لا تخرج عما كان يسمى في العهود السابقة بديوان الجند وحالة الارتزاق.

فليس خلافنا: هل توزع الغنيمة أم لا؟ إذ الراجح وجوب توزيعها، وإنما الخلاف: هل حالتنا الراهنة هي من جنس التطوع الذي يجب معه توزيع الغنيمة نظرًا لأن المتطوع يقدم المركوب والسلاح والعتاد والعدة والمؤونة فضلًا عن تغريره بنفسه؟ .. أو من حالة الارتزاق (الجندية) التي لا توزع معها للمرتزقة غنيمة بل يعطون من الفيء من بيت المال في حين تتكفل الدولة -وفي واقعنا"الجماعة"- بتقديم كل مستلزمات المعركة من مؤونة وعتاد وعدة وسلاح وذخائر فضلًا عن الرواتب -وفي واقعنا؛ الكفالات التي غالبًا لا تفي بالحاجة ولكن هذه هي الطاقة-، ومن هم العلماء الذين قالوا إن المرتزقة يعطون أربعة الأخماس كما المتطوعة؟ وهل جهادنا جهاد فتح أم دفع؟

إن واقع الجماعات الجهادية هو واقع جهاد الدفع في ظل غياب الدولة والسلطان والإمام والدار وبيت المال، وهذه الحال لا يجب معها توزيع الغنيمة بل الأولى تقديم مصلحة الجهاد"مصلحة الدين"على كل مصلحة (وإن مات الجياع) .

وإن هذه الجماعات تقوم بتقديم ما أمكن من التغطية المالية للغزوات والمعارك والمقرات والمعسكرات والأفراد من: (طعام وشراب ومركوب ومحروقات وذخائر وأسلحة وكفالات وإغاثات وغيرها) ، وهذه الحال تشبه إلى حد كبير حالة (ديوان الجند - المرتزقة) ولا تختلف عنها سوى في عدم تقديم الرواتب الكافية نظرًا لعدم القدرة -التي هي مانع شرعي معتبر في ظل حالة الدفع-، ومعلوم أن حالة (الارتزاق) لا توزع فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت