السياسات الدولية كالجهاد الأفغاني زمن الطالبان، وفي كلا الحالين؛ ظل التمويل الخارجي والتبرعات وبالًا على الجهاد، ففي الحالة الأولى كان تدفق الأموال سببًا في السيطرة على قيادات العمل وأطرافه، وفرض إملاءات الممولين من المحسنين والدول، وسيطرتها في النهاية بشكل شبه كامل، وفي الحالة الثانية فكان التمويل سببًا من أهم الأسباب في إجهاض العمل [1] .
وحين أدرك العدو ما لمسألة تمويل الجهاد من أهمية وأثر، اتخذ من شعار تجفيف المنابع خطة متكاملة للحصار والتجويع وشل حركة المجاهدين، حيث أجبرت أمريكا كل الدول على رفع تقارير عن جهودها في مراقبة حركة الأموال وتجميد حسابات من تتهمهم بالإرهاب، وسلب أموال مؤسسات خيرية وإلغائها، ونال البلاء المجاهدين وكل قريب منهم بأي شكل من الأشكال، وإذا كان الحال كذلك فإن من أهم الأمور التي ينبغي بحثها هو وضع تصور للتمويل (مصادر تمويل الجهاد) .
ولو نظرنا إلى (نظرية التمويل في الإسلام) في كافة المراحل لوجدنا أنها تقوم أساسًا على موارد الجهاد من الغنائم والفيء، وما ينتج عن الجهاد من الجزية والخراج والعشور، ولا تشكل الزكاة والصدقات إلا موردًا فرعيًّا.
وكانت المصاريف الأساسية للجهاد وللدولة الإسلامية من موارد الجهاد، كما كان الكثير من الغزوات إنما هو لتحصيل الموارد (غزوة بدر) ، «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» ، «وَيُزِيغُ اللهُ لَهُمْ قُلُوبَ أَقْوَامٍ، وَيَرْزُقُهُمْ مِنْهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ، وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وهكذا كانت دورة الموارد والمصارف عبارة عن حلقات يصب بها الخير من موارد الجهاد المختلفة ليملأ بيت المال، ويصدر عنه بعد ذلك نحو المصارف من جديد لتكتمل الدورة المالية للاقتصاد الإسلامي، أما دورة الموارد والمصارف في قضايا الجهاد اليوم فهي على العكس من نظرية التمويل التاريخية، فخزانة تمويل التنظيمات المرهقة بالمصاريف يجب أن تغطي مصاريف القتال، والتدريب، وأسر الشهداء والمعتقلين وحركة المجاهدين، والإعلام .. إلخ، وهذا محال، ولذلك وقع الخلل وصار الحال كما ذكرنا.
(1) ولا شك أن هذا الواقع المأساوي الذي أنتجه اعتماد الجهاد على التبرعات المفضية إلى حرف الجهاد؛ يلزمنا بالبحث عن البدائل لذلك، والبديل الشرعي موجود بحمد الله وهو الغنيمة بمعناها الشامل، بحيث تصبح الغنائم هي مصدر التمويل الرئيسي مع تبرعات المحسنين غير المرتبطين بالحكومات والأجندات، مع المشاريع الاقتصادية إن أمكن. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الغنائم كونها سياجًا يحفظ الجهاد من أن يتلاعب به المتلاعبون، ويحفظ استمرارية الجهاد، ومن غير الممكن في واقعنا حفظ الجهاد واستمراريته بالغنائم مع توزيعها على قاعدة الأربعة أخماس بالشكل الذي يريده ويفهمه الكثيرون فهمًا تقليديًّا بعيدًا عن الواقع والفروق بين الأمس واليوم، وقد مضى تبيان ذلك.