قال ابن كثير في التفسير:"ومن يجعل أمر الغنائم والفيء راجعًا إلى رأي الإمام، يقول: لا منافاة بين آية الحشر [1] وبين التخميس، إذا رآه الإمام والله أعلم" [2] ، وهو هنا يقصد التخميس الوارد في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ... } الآية.
ومثله ما قاله الشنقيطي حيث قال أثناء توفيقه بين آيات الحشر والأنفال:"وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء لا إشكال في الآيات، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء راجعًا إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية (الحشر) ، وآية التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم." [3] .
قال الإمام الفزاري من الشافعية في (الرخصة العميمة في حكم الغنيمة) :"اختلف العلماء في قسم الغنائم اختلافًا كبيرًا مشهورًا، وفَعَلَ الأئمة في ذلك أفعالًا مختلفة فقسَّم بعضهم المال والعقار، ووقف بعضهم العقار، ورد بعضهم على الكفار الخراج، والاختلاف كبير مؤذن جميعه بأن حكم الفيء والغنيمة راجعٌ إلى رأي الإمام يفعل ما يراه مصلحةً ويعتقده قربة" [4] .
وقال: إن الشافعي رحمه الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحها -أي مكة- عنوة، ولم يقسم منها مالًا ولا عقارًا. وقال: لا يلزم الإمام قسمة الغنائم العقارية والمنقولة ولا تخميسها وله أن يحرم بعض الغانمين اهـ.
قال الشيخ عطية الله الليبي رحمه الله في أجوبته على الأسئلة الصومالية:"ولذلك فإن الرأي الراجح عندي وهو ما اختاره بعض أهل العلم -والمسألة خلافية- أن لولي الأمر منع الغانمين من الغنيمة إذا رأى -نظرًا لمصلحة الإسلام والمسلمين- أن يمنع قسمتها على الجيش ويصرفها في مصلحة الدين والجهاد، ودليل هذه المسألة الحديث المشهور الثابت في الصحيحين من رواية أنس بن مالك وغيره، أن النبي صلى الله عليه"
(1) أي قوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ... } الآية.
(2) تفسير ابن كثير (4/ 52) .
(3) أضواء البيان (2/ 56) .
(4) وقد رد بعض العلماء ممن يرى رأي الجمهور على الإمام الفزاري فيما ذهب إليه؛ ومن أقوالهم: قال الإمام النووي في (مسألة وجوب تخميس الغنيمة وقسمة باقيها) :"إن قيل ما تقولون في قائل يقول الآن ... حكم الغنيمة والفيء راجع إلى رأي الإمام، يفعل ما رآه مصلحة ... قلنا: هذه الجملة غلط فاحش وخطأ بيّن وقائلها جسور هجام على خرق الإجماع، فإن هذه الجملة مخالفة لإجماع الأمة الذي لا يحل لمكلف مخالفته بل هي مخالفة لنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويكفي في ردها منابذة قائلها جميع الأمة من السلف والخلف."، وقال الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر (1/ 62) :"أن يأخذها جيش من جيوش المسلمين بإيجاف خيل أو ركاب، فهي غنيمة أربعة أخماسها للغانمين، وخمسها لأهل الخمس، وهذا لا خلاف فيه، وغلط الشيخ تاج الدين الفزاري فقال: إن حكم الفيء والغنيمة راجع إلى رأي الإمام يفعل فيه ما يراه مصلحة، وصنف في ذلك كراسة سماها (الرخصة العميمة في أحكام الغنيمة) ، وانتدب له الشيخ محيي الدين النووي، فرد عليه في كراسة أجاد فيها، والصواب معه قطعًا ..."اهـ.