فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 209

وسلم أعطى غنائم حنين للمؤلفة قلوبهم من مسلمة الفتح ولم يقسمها بين الجند، ولم يعط الأنصار -وهم معظم الجيش- شيئًا حتى وجدوا في نفوسهم ... الحديث.

وجه الدلالة أن الجيش كانوا مستحقين للأربعة أخماس بلا شك، وقد كانت شريعة الغنائم -الأنفال- قد تقررت قبل ذلك بأعوام بلا خلاف، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مصلحة عظيمة في منع المقاتلة منها وصرفها في مصلحة الدين. وقول من قال من العلماء إنه أعطاهم من الخمس ضعيف جدًّا، وأضعف منه وأوهى القول بأنه من خمس الخمس، بل الصحيح الظاهر جدًّا أنه أعطاهم من أصل الغنيمة، بل الغنيمة كاملةً، ولم يعط الأنصار شيئًا كما هو نصهم. ولا دليل على أنه استرضاهم، بل القصة تدل على خلافه، وكونه وكلهم إلى إيمانهم فليس هذا معنى الاسترضاء في الحقوق [1] ... فإما أن تكون الغنائم ممنوعة عن الجيش في هذه المرحلة إلى أن يشاء الله ويرى أمراء الجهاد وولاة أمر المجاهدين أن يشرعوا في قسمة الغنائم فهذا لهم، وإما إن كانوا مبدئيًّا ماشين على الرأي الآخر أو يرون أن تعطى الغنائم لمستحقيها بكل حال حتى في هذه المرحلة فيتولى قسم الغنيمة ولي الأمر الحاضر على مقتضى الشرع"اهـ بتصرف."

قال د. وهبة الزحيلي في آثار الحرب:"إننا لا نجد أثرًا كبيرًا لهذا الخلاف -أي بين الفقهاء- في شأن المنقولات، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها على حسب رأيه"، إلى أن قال:"ثم أنزل الله آية الغنائم {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ... } فكان الواجب تخميس المغنم، الخمس لمن ذكرت الآية، أي لبيت مال المسلمين كما يرى المالكية، والباقي للمجاهدين الذين شهدوا القتال، قال عمر فيما رواه البخاري: (إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة) ."

وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في صدر الإسلام ودولة بني أمية وبني العباس، وذلك لأن الغنيمة حقٌّ خالصٌ للغانمين إجماعًا، وهذا ما اتفق عليه أئمة المذاهب، ولا خيار للإمام في أمر القسمة. قال

(1) هذا وقد رد ابن المنير على من قال في حديث البخاري «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» ، حيث جاء في فتح الباري لابن حجر (6/ 243) :" (قوله باب ما مَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الأسارى من غير أن يخمِّس) أراد بهذه الترجمة أنه كان له صلى الله عليه وسلم أن يتصرف في الغنيمة بما يراه مصلحة فينفل من رأس الغنيمة وتارة من الخمس، واستدل على الأول بأنه كان يمنُّ على الأسارى من رأس الغنيمة وتارة من الخمس، فدل على أنه كان له أن ينفل من رأس الغنيمة، وقد تقدم بيان الاختلاف في ذلك وذكر فيه حديث جبير بن مطعم: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ حَيًّا، فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» ، قال ابن بطال: وجه الاحتجاج به أنه صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه أن يخبر عن شيء لو وقع لفعله وهو غير جائز فدل على أن للإمام أن يمنَّ على الأسارى بغير فداء خلافًا لمن منع ذلك كما تقدم، واستدل به على أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها إلا بعد القسمة وبه قال المالكية والحنفية، وقال الشافعي: يملكون بنفس الغنيمة، والجواب عن حديث الباب أنه محمول على أنه كان يستطيب أنفس الغانمين، وليس في الحديث ما يمنع ذلك فلا يصلح للاحتجاج به، وللفريقين احتجاجات أخرى وأجوبة تتعلق بهذه المسألة لم أطل بها هنا لأنها لا تؤخذ من حديث الباب لا نفيًا ولا إثباتًا، واستبعد ابن المنير الحمل المذكور فقال: إن طيب قلوب الغانمين بذلك من العقود الاختيارية فيحتمل أن لا يذعن بعضهم فكيف بَتَّ القول بأنه يعطيه إياهم مع أن الأمر موقوف على اختيار من يحتمل أن لا يسمح ..."اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت