الزيلعي: يجب على الإمام أن يقسم الغنيمة ويخرج خمسها لقوله تعالى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} ويقسم الأربعة الأخماس على الغانمين للنصوص الواردة فيه وعليه إجماع المسلمين اهـ. من تبيين الحقائق، إلا أنه قد وجدنا عند الحنفية ما يقضي بأن للإمام أن يمنَّ على أصحاب البلاد الأصليين بأموالهم تبعًا للمنِّ بأراضيهم ورقابهم بعد وضع الجزية على الرؤوس والخراج على الأرض، ويجوز ذلك عند الشافعية والظاهرية إذا استطاب الإمام أنفس الغانمين، ويجوز فقهًا أيضًا إبقاء المنقول على ملك أربابه إذا دعت لذلك ضرورة كأن يرى الإمام أن العدو يتربص بنا مرةً ثانية للانقضاض علينا"."
ثم قال:"ونحن نرجح أنه يلزم قسمة المنقول اتباعًا لنص الآية ... إلا أننا مع ذلك لا نرى حرجًا على الإمام في أن يجتهد في المنقول كما رجحنا ذلك في العقار، فينفذ أمرًا فيمضي عمله فيه لما يرى من المصالح العليا التي كثيرًا ما تصادف الحكام في كل زمان أخذًا بمبدأ المصالح المرسلة". ثم أورد رأي الإمام الفزاري في قوله: لا يلزم الإمام قسمة الغنائم العقارية والمنقولة ولا تخميسها وله أن يحرم بعض الغانمين [الرخصة العميمة] ، وقال:"وكأن هذا الإمام لا يرى نسخ آية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} بآية {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} كما ذهب إليه جمهور العلماء أو كما قال بعضهم: التحقيق أنه لا نسخ ولا تعارض بين الآيتين، وإنما الآية الثانية مبينة لإجمال الأولى ومفسرة لها لا ناسخة، وعلى كلا الأمرين فالآية الأولى تفوض أمر قسمة الغنائم إلى ولي الأمر، وتكون الثانية إما ناسخة للأولى أو مبينة لها، والفزاري يرى ألاَّ نسخ ولا تعارض، والبيان في الثانية لا يُلزِم الإمام".
قال الزحيلي في الهامش -معلقًا على رأي الإمام الفزاري في اعتباره الآية غير منسوخة-:"وقد قال بذلك بعض العلماء منهم الكثير من أصحاب مالك؛ رأوا أن الآية محكمة غير منسوخة وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست مقسومة بين الغانمين، وكذلك لمن بعده من الأئمة، وأن للإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين، وهذا هو رأي القرافي والعز بن عبد السلام وعلاء الدين البعلي، وعلى هذا فتكون آية {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} والأربعة الأخماس للإمام إن شاء حبسها، وإن شاء قسمها بين الغانمين، وبذلك يظهر أن الإجماع السابق على وجوب القسمة، هو محل نظر وليس على إطلاقه" [1] .
(1) آثار الحرب للزحيلي (ص 608 - 610) .